47/08/08
الموضوع: باب الالفاظ/ مبحث العام و الخاص /تدريجية التشريع والبياني في الشريعة
السيرة العقلائية في حجية الظهور مع تدرجية بيان الأحكام
كان الكلام في الوجه الرابع، ومفاده أن السيرة العقلائية -سواء في حجية الظهور أو حجية قول المتكلم أو الحجج الأخرى- قائمة على أساس أن سيرة المتكلم، لا سيما المولى، تكون على "تدريجية بيان أحكامه". هذه التدريجية ثابتة بضرورة مذهب الإمامية، والمسلمين أيضاً؛ فبلحاظ زمن سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم) خلال ثلاثة وعشرين سنة، لم يكن بيان الأحكام دفعياً، لا في مجلس واحد، ولا خلال سنة واحدة أو سنتين، بل كان البيان تدريجياً في زمن سيد الأنبياء.
04:00 - التدرجية في البيان أصول الدين فضلاً عن الفروع
وهذا الأمر يجري سواء في أصول الدين أو فروع الدين. فمثلاً، نلاحظ بعض الإشكالات التي تثار: كيف أن بعض الموالين والمحبين للأئمة الاثني عشر لم يكونوا يعرفون أسماء بقية الأئمة، وماتوا وهم على هذا المقدار من المعلومة؟ فكيف يكون الأمر من أصول الدين ولا يُبيَّن؟ الجواب هو هذا الكلام نفسه: حتى في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان بيان أصول الدين تدريجياً؛ حكمةً لتقبل الناس وتهيؤهم، وما شابه ذلك.
فمثلاً: "أصل وجوب الصلاة" هو من أصول الدين وليس من فروع الدين، وكذلك "أصل وجوب الزكاة". نحن لا نتحدث عن "أداء" الصلاة أو "أداء" الزكاة لنقول إنها من الفروع، بل "الوجوب" نفسه (وجوب الصلاة، وجوب الزكاة، وجوب الجهاد)؛ فهذه أركان للفروع شُرّعت في المدينة المنورة بالتدريج، وهي تُعد من أصول الدين ومن الاعتقادات، إذ أن إنكار وجوب الصلاة كفر، ومع ذلك نزلت بالتدريج.
06:35 - إجمال أصول التشريع وتفاصيل الأبواب من أمير المؤمنين (ع)
وكذلك الحال في إمامة أهل البيت (صلوات الله عليهم)؛ فأصل الإمامة نصبها الله عز وجل قبل أن يأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالجهر بالإسلام، وذلك في حديث يوم الدار حين نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]، حيث أعلن فيها من هو وزير النبي ووصيه. وقد تسامعت قريش بهذا الخبر وفشى بينهم كما أن أبي لهب نشر المضمون، وقد نقل حديث يوم الدار كثيرون مثل أبي بكر وعمرو بن العاص قبل دخولهم الإسلام وبعده.
فإمامة أهل البيت قُرنت بالشهادتين من الأول، ولكن بيانها لعموم الناس بشكل صريح لا التباس فيه ولا خفاء تم في آية الغدير يوم غدير خم. فلا يتوهم أحد أن إمامة أمير المؤمنين نُصبت يوم الغدير، بل إن بيانات أهل البيت والقرآن -كما ينبه الإمام الهادي في زيارة الغدير- تبين أن النصب جعلها الله في بداية عهد الإسلام.
لكن، الانتقال في التبيين من الخفاء والكناية إلى الصراحة والنص هو نوع من التدريجية في البيان. فتارة يكون "أصل الجعل" تدريجياً، وتارة يكون "بيان ما هو مجعول" يتخذ درجات في الظهور والخفاء، وهذه قاعدة معرفية في الدين ليست غريبة، فهي تشبه الإجمال والتفصيل؛ حيث يأتي إجمال في أصول الدين ثم يفصله النبي أو الأئمة لحكمةٍ ما.
08:45 - صلاحية الأئمة في التشريع ترجمان للتشريعات الإلهية
وهذا المعنى ينطبق على فرائض الله، ثم سنن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم يأتي ما مر بنا من أن غالب تفاصيل أحكام أبواب القضاء والشهادات والحدود والديات والقصاص وردت على لسان أمير المؤمنين (عليه السلام) وبقية الأئمة. وهذا من ضمن مبحث تدريجية البيان، وهو إيعاز بأن للأئمة صلاحية التشريع.
وهذا التشريع ليس في "عَرْض" تشريع الله عز وجل -حاشا- ولا في "عَرْض" تشريع النبي، كما أن تشريعات النبي ليست في عرض وشرك لتشريعات الله. الله عز وجل وحده لا شريك له في كل شيء، وإنما تشريعات النبي والولاية التشريعية له هي في "طول" تشريع الله؛ أي في تفسير وتبيان، وليس تبياناً لغوياً بل تبيان شبيه بـ "التقنين البرلماني"، فهو ترجمان ومفصل يفتق الرتق المندمج للقوانين الدستورية. وهذه صلاحية التقنين ضرورية.
والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واسطة تشريع بين تشريعات الله وأئمة أهل البيت. حتى هذا المنصب، لا يوازيه فيه الأئمة بل هم تبع له وأوصياؤه، ولذلك خوطبوا بمراتب: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم﴾ [النساء: 59]. فولاية التشريع للأئمة ضرورية بهذا المعنى (التبعية والتفسير)، لا أنهم يشاركون النبي في نبوته.
11:45 - التفاصيل التشريعية لسنن النبي (ص) لا يعلمها إلا أهل البيت (ع) ترجمان الوحي الإلهي
الأئمة (صلوات الله عليهم) عندما يأتون بهذه التفاصيل، وخلافاً لما يتوهمه البعض، فإن هذه التفاصيل لم ترد على لسان الرسول قط (غالباً). فكيف أتى بها الأئمة؟ نعم، هي موجودة في مجمل تشريعات النبي وكلياتها، ولكن انتزاع واستنطاق واستنباط واستيلاد هذه التفاصيل من تشريعات النبي لا يدركه أحد، وليس بإمكان الأمة أجمع فعل ذلك؛ فهذه التشريعات لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) فقط دور فيها وحتى بين الأئمة عليهم السلام أيضا مراتب. وهم في ذلك ترجمان وحي الله، بمعنى انتزاع العلوم، كما في الحديث: «علمني رسول الله ألف باب، ينفتح لي من كل باب ألف باب». فالذي يستطيع أن يفتح هو أمير المؤمنين (عليه السلام)، وغيره لا يقدر.
13:40 - حديث أمير المؤمنين (ع) عن المقام الغيبي للنبي (ص)
لذلك نحن نخطئ عندما نقول إن أمير المؤمنين عندما يروي عن رسول الله، فإنه بالضرورة يروي عن "فم" رسول الله (صلى الله عليه وآله). ليس الأمر كما يتخيل كثير من المتكلمين أو الرواة أو الفقهاء؛ بل أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) يحدث عن "المقام الغيبي" للنبي، بنص الحديث المتواتر والنصوص القرآنية والروائية.
وعن الإشكال بحديث: «لهم يحللون ما يشاؤون ويحرمون ما يشاؤون»، فالجواب: لأنهم لا يشاؤون إلا أن يشاء الله. هم ليسوا في عرض الله ولا الرسول، بل تابعون. والشاهد أن هذه التفاصيل جُلها لم تخرج من فم الرسول المادي قط، لأن الله عز وجل يقول: ﴿لَا يُؤَدِّي عَنْكَ إِلَّا أَنْتَ﴾ [التوبة: 3 (في سياق آيات البراءة)]. فهل هناك اثنينية في الرسول؟ معنى الآية: لا يبلغ عن "مقامك النوري والقلبي والغيبي" الذي لا يدركه أحد إلا أنت، أو "رجل منك". ورجل منك هو علي بن أبي طالب، كما ورد: «علي مني وأنا من علي».
15:40 - مصحف فاطمة (ع) علم اصطفائي ورثته عن المقام الغيبي للنبي (ص)
وكذلك ورد: «فاطمة مني وأنا من فاطمة». لاحظوا "مصحف فاطمة"، وهو "دِين". يقول عنه الباقر (عليه السلام) -شارحاً أموراً لا متناهية- لأبي بصير: «ما ذكرت لك إلا ثلث ورقة من مصحف فاطمة»، وقال له مجملات لا مفصلات. هذا المصحف من أين أتت به فاطمة؟ هل من فم وبدن رسول الله؟ الموجود في الروايات أنها أخذته عن رسول الله، ولكن ليس عن فمه المادي، بل عن "نور رسول الله".
18:00 - مفاتيح العلوم التي صدرت عن النبي (ص) لا يتحملها إلا أهل بيته (ع)
المراد بـ ﴿رَجُلٌ مِّنكَ﴾ ليس المعنى الذكوري فقط، بل "المستقيم على العصمة"، "رجال لا تلهيهم"، أي شخوص مستقيمون بصلابة على العصمة، ولذلك ورد في روايات الفريقين أنها تشمل فاطمة وخديجة سلام الله عليهما. المقصود أن الأئمة لا يحدثون فقط عن بدن النبي كبقية الصحابة والتابعين، بل يحدثون عن قلب النبي، عن "البيت المعمور" الذي هو قلب النبي. وما يتداوله البعض من أن أحكام النبي كلها صدرت من فمه غير صحيح؛ فالناس لا تتحمل ذلك، ليس لديهم "حاسوبات" ولا قدرة "تنزيل" (Download)، ولا الوقت يسع.
20:00 - الارتباط النوري بين النبي (ص) وأهل البيت (ع) في البيان
إذن، الأئمة يرتبطون بنور النبي، ويحدثون عنه. عبارات: «علي مني»، «فاطمة مني»، «الحسن مني وأنا من الحسن»، «الحسين مني وأنا من الحسين» -وبلا شك النبي أعظم فكيف يكون هو من الحسين؟ له معنى دقيق- تعني أنهم يبلغون عن مقامه النوري وقلبه (البيت المعمور).
والقرآن نزل جملة على البيت المعمور (قلب النبي). هذه الأمور واضحة عند كثير من متكلمي ومحدثي الإمامية، لكن للأسف الكثير لا يدركونها، ويبنون على أن الأئمة ينقلون كغيرهم عن طريق قناة الحس. كلا، عندهم "واي فاي" (Wi-Fi) آخر! ليس عن طريق الحس ومكبرات الصوت، بل أنواع من الارتباط، كما أن الأجهزة الحديثة تجاوزت الصوتيات إلى ارتباطات إلكترونية، فكيف بالوحي الذي هو أعظم؟
22:00 - زيارة فاطمة (ع) وتحدث الوصي عن القلب الملكوتي للنبي (ص)
لذلك نلاحظ في زيارة الصديقة فاطمة: «يا ممتحنة». هذه الزيارة معجزة، لا يمكن لعالم أن يؤلفها، وفيها إعجاز عقلي مدهش ومعادلات غامضة لمن يدقق. من ضمن الزيارة: «... ومصدقون وصابرون لكل ما أتانا به أبوكِ وأتانا به وصيه». العبارة تقول: "أتانا به وصيه". كيف يأتي به الوصي؟ الوصي ليس نبياً، بل يأخذ عن النبي. ولكن الشاهد هنا أنه لا يأخذ عن "بدن" النبي فقط -وهذا اشتباه الصحابة والمسلمين- بل يغرف عن "نور" النبي.
24:00 - لا تناهي أنواع الوحي النازل على النبي (ص)
كما أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تارة يأخذ عن جبرائيل، وتارة عن فوق إسرافيل، وتارة يأتي بوحي لم يمر لا على القلم ولا الكرسي ولا العرش ولا إسرافيل ولا جبرائيل. بل إن جبرائيل "يستعطي" ويسأل رسول الله في هذا الوحي الخاص ويحدثه النبي به.
الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: «إن الوحي الذي يأخذه رسول الله عن جبرائيل هو أنزل أنواع الوحي». وفي الاحتجاج عن أمير المؤمنين: «أنواع الوحي لا تعد ولا تحصى». واشتباه علماء الأمة (عرفاء، فلاسفة، فقهاء) أنهم لا يفهمون أنواع الوحي. الأئمة يعرفون هذه الأنواع لأنهم تابعون للنبوة الغيبية لسيد الأنبياء صلى الله عليه وآله ويغرفون من ذلك النور.
27:15 - العنعنة النورية بين أهل البيت والنبي (ص)
قضية العلوم السيبرانية وضحت هذا المطلب (ارتباط الحاسوب بالسيرفر الأصلي). إجمالاً، هذه "العنعنة" (عن فلان عن فلان) بين الأئمة هي "عنعنة نورية" وليست عنعنة بشرية، هي عنعنة وحيانية فوق البشر، وإن كان في بعضها جانب حسي لا ننفيه، لكن غالبها نوري. وهذه قاعدة عظيمة في تدريجية البيان والجعل.
29:00 - عمدة علم وحقيقة الكتاب غيبية وحقيقة الوحي خفاء غامض
على ضوء هذه القاعدة التي لها أسباب كثيرة، نفهم مسألة "التقية" و"الخفاء". البعض يقول: الله ليس عنده تقية! كيف لا؟ الله يتقي، وأعظم صفات المؤمن (الكتمان) هي صفة من ربه. التقية لا تعني الخوف فقط، بل تعني "الإخفاء" لحكمة. أكثر حقيقة القرآن ليست في ظاهره، هذا تنزيل القرآن، بل هي غيب، ﴿حَبْلٌ مَمْدُودٌ... طَرَفٌ مِنْهُ عِندَ النَّاسِ وَطَرَفٌ مِنْهُ عِندَ الله﴾. الله أخفى حقائق لحكمة، وهذا هو معنى الوحي أصلاً (الخفاء). فقضية "نظام الخفاء والأمن" هي من أصول الصفات الإلهية (يا باطن يا ظاهر).
تدرج بيان الشهادة الثالثة لا يتحملها الصحابة والمسلمون
اصل الخفاء بأسباب عديدة، منها أن أصل إمامة أهل البيت لم تكن قريش لتتحملها، وكانت ستكفر بها، لذلك اتخذ الوحي "التدريجية في الإبراز" حتى يوم الغدير. فإذا كان أصل الإمامة لم يتحمله الصحابة والمسلمون وانقلبوا، فهل نأتي ونقول: "لو كانت الشهادة الثالثة في الأذان لأعلنها رسول الله"؟ لو أعلنها لارتد الناس وكفروا.
ربما يظهر الأذان الحقيقي على يد الإمام الحسن العسكري أو صاحب الزمان. أهل البيت عاشوا زلزالاً واستضعافاً، فكيف يقال "نريد أن نمن على الذين لم يستضعفوا"؟! هم استضعفوا، وهذا ناموس فيهم. القول بـ "لو كان لبان" غير صحيح هنا؛ لأن الناس يقتلون على محبة أهل البيت فكيف بإمامتهم وذكرها الصريح؟
الشهادة الثالثة وتوصيفهم بالوصاية هي "إقرار"، فعندما تقول "أشهد أن محمداً رسول الله" أو "محمد رسول الله" المضمون واحد وإن اختلف اللفظ. البحث ينزل لسطحية عجيبة عند البعض، بينما الأمر يرتبط بتدريجية البيان وقدرة التحمل.