47/06/29
الموضوع: العقد المكره (23) / فروع في الاكراه موضوعاً
بقي في عقد المكره ما تعرض له الشيخ في جملة من الصور منها ما لو اكره على بيع احد شيئين كالعبد او السيارة او اكره على تطليق احدى الزوجتين او على نكاح احدى المرأتين او التزويج باحداهما فهو بدل ما يتزوج احداهما تزوج كلتيهما اكراها او اكره على تطليق واحدة فطلق الاثنتين او البيع او الشراء لاحدى السلعتين فباع كليهما او اكراه على شراء احدى سلعتين فاشتراهما كلتاهما حينئذ المكره عليه احداهما وهو اتى بشيئين وليس بشيء واحد فهو ليس مكرها على الاثنين فكأنما الزائد هو عن طيب النفس وليس عن الاكراه ولا الضغط فلا يحسب .
الشيخ الانصاري يقول اما الثاني قطعا ليس باكراه فلو اتى بهما زمنا اولا ثم الثاني فهذا الثاني زمانا قطعا ليس باكراه وحتى لو طلقهما او تزوجهما او باعهما او اشتراهما معا بالتالي الثاني زمنا او عددا وان كان مرددا لكن صحيح اما الاول فلم يستبعد الشيخ بانه صحيح لانه لم يكره على كليهما معا فهذه حالة المعية على كلا الشيئين كأنما تخرج عن مورد الاكراه ولكن هو اتى باثنين فما الداعي له على الزيادة? فهو ليس بضغط او بتهديد او وعيد فبالتالي متعلق الاكراه غير متعلق الانشاء .
فمن ثم استوجب الشيخ ان في هذه الصورة كلا البيعين او الشرائين او التزويجين او الطلاقين يصحان لانه ليس تحت طائلة الضغط وانما اتى بالفعل تحت التفكير وتدبير .
ويلاحظ عليه :
انه لعل الشيخ فكر وظن انه اذا باع المكره احدهما يتضرر ويرى نفسه ملجأ فليكن كليهما كي يندفع الضرر عن نفسه او اذا تزوج احداهما صعب واما اذا تزوج كلتيها يصير توازن مثلا فمن باب دفع الضرر ولكنه ملجأ فما ذكره الشيخ ان مطلقا الثاني زمنا او الثاني عددا قطعا صحيح نقول هذا ليس على الاطلاق قد يكون هذا من باب التدبير لدفع الضرر فالحالات والملابسات يجب تدرس فما يمكننا ان نقول ان الثاني قطعا ليس باكراه فهو بسبب الاكراه .
هذا كله في الثاني فضلا عن الاول فالملابسات تختلف ويجب دراستها المهم الضابطة ان العرف يشخص ان حركة ارادته وفعله بسبب الضغط وكذا المثال الذي مر بنا سابقا انه لو هدد بلزوم تسليم مبلغ كبير ولكن المكره لم يشترط عليه ان يأتي المال من جهة خاصة وانما قال من اي جهة اتيت به، يعني الذي يهمه انه يستلم مثلا مئة مليون سواء باع بيته او اي شيء اخر فهل بيع البيت حينئذ اكراهي? اكثر الاعلام ان لم يكن جلهم قالوا ان هذا البيع ليس اكراهي لانه لم يقع تحت الاكراه وانما الاخير هو في اخذ المئة مليون فكان بامكانه ان يستقرض او حتى لو لم يكن بامكانه فلا باس فمقدمات دفع الاكراه التي ليست متعلقة بالاكراه استظهروا انها ليست اكراهية وانما تسمى اضطرارية ولا دليل على خلل في العقد الاضطراري انما الخلل في اي عقد او انشاء اكراهي اما الانشاء الاضطراري ولو مقدمة لدفع الضرورة لا يعد اكراها .
فالاعلام يدققون انه فرق بين باب الاضطرار وباب الاكراه وفرق بين المزاوجة او المعية او المقدمية بين الاضطرار والاكراه اذن الاعلام حددوا وحبسوا الاكراه في مورده اما ملابساته ومقدماته لم يعدوها تابعة له في الحكم فالضرورة شيء والاضطرار شيء ونفس الاكراه شيء اخر وهذا يحتاج الى شيء من التتبع في الروايات هل حدود الاكراه الذي ورد في الروايات ان يكون المورد المركزي للاكراه ام الاضطرار الذي يقع فيه بسبب الاكراه? فقد يكون توسعة في الاكراه انا لا انفي ولا اثبت قلنا لكن القدر المتيقن من ادلة الاكراه هو المورد المطابقي المركزي للاكراه اما الملازمات المقدمية من الاكراه فليس من الاكراه في شيء وليس ممتنعا ، فلا هذا ولا ذاك ليس يمتنع وانما قد يستظهر الشخص ان من الادلة ان كل ما له صلة بالاكراه فحكمه حكم الاكراه فبحاجة الى تتبع في ابواب عديدة ففرق بين ان اتمسك بالقدر المتيقن بالدليل وبين ان افحص فحصا تاما في الابواب .
ايضا من صور الاكراه اذا اكره على بيع معين وهو نفسه ضم اليه شيئا اخر فهل البيع الاول صحيح وكذا الثاني? او البيع الاول مكره والثاني صحيح او كليهما ؟ نقول نفس الاحتمالات التي ذكرها الشيخ تأتي هنا في الاكراه على احدهما المعين ولكن الشيخ والكثير قالوا الثاني ليس مكرها عليه هو اكره على هذا المعين واما ضم الشيء الثاني اليه واضح انه عن طيب نفسه وليس من باب الاكراه في شيء .
ولكن كما مر بنا يمكن ان يكون تلافيا لدفع ضرر الاكراه فاذن الجماعة حددوا الاكراه بالمورد المطابقي دون الملازمات او كيفية دفع الضرر ذاك بحث اخر لكن اذا استطعنا ان نوسع الاكراه الى ما يضطر اليه للدفع يمكن ان يكون حينئذ دائرة الاكراه اوسع ولكن بحاجة الى تتبع نعم اذا كانت دائرة الاكراه مطابقية محددة هذا بحث اخر .
ايضا من الموارد الاخرى ما ذكره العلامة الحلي في التحرير لو اكره على الطلاق فطلق ناويا العلامة يقول الاقرب وقوع الطلاق فما مراد العلامة? ففسر كلامه بعدة تفسيرات منها انه كان بامكانه ان لا ينوى جديا او المراد التفهيمي فضلا عن الاستعمالي وهو على علم ودراية بذلك لكن مع ذلك نوى مثل قوله تعالى الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان لان التلفظ بالكفر من دون قصد جدي ليس بكفر نعم هو شرعا حرام لولا الاكراه فالتلفظ بالكفر من دون ارادة جدية ايضا كبيرة من الكبائر وانما تسوغ اذا كان اكراه في البين وقصد في قلبه لذلك الباري يقول ﴿الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان﴾ [1] يعني الاخر يجبرك عليه اما بلى من انشرح بالكفر صدرا امر اخر .
ففعل القلب غير مبرر عند الانسان ان يضغط عليه الطرف الاخر وهذا احد معاني ﴿لا اكراه في الدين﴾[2] فقلبك لا يطلع احد عليه السيد اليزدي مما يدل على انه اهل الباطن يقول نعم بعض الاطراف الاخرى قد يكون مرتاضا وحتى لو ليس بمؤمن فهو قادر على قراءة النوايا وقراءة الخاطر .
الشيء بالشيء يذكر وباختصار ان نية الانسان طبقات وانا شاهدت كثير من رجال الدين الكبار او الصلحاء لا يستطيعون ان يقرأون المراتب العليا من الخاطر وانما يقرأون الطبقات النازلة مثل ما يقال بالعقل الباطن والعقل الظاهر ، فالعقل الباطن هو من الهارديسك يعني امور مرتكزة فالذي يستطيع ان يقرأ ملف اعمال الانسان حتى لو كان غير مؤمن كبعض المرتاضين غير المسلمين وغير المؤمنين فحتى الارتكازات في الطبقات ليست واحدة وانما طبقات ابطن فابطن واخفى فاخفى لذلك القرآن يقول يعلم السر واخفى يعني خفي واخفى فلما يقول خفي يعني فوق السر والسر فوق القلب .
فاذن هناك طبقات في الانسان ف﴿لا اكراه في الدين﴾ يعني كل ما تتصاعد طبقة الانسان يزداد اختياره وقدرته لا انه تقل وتطرقنا اليه في بحث التفسير في ﴿لا اكراه في الدين﴾ فالعلامة الحلي يريد هذا التفسير انه لو كان يعلم بان بامكانه ان لا ينوي مع ذلك نوى حينئذ يشكل ان يقال هذا اكراه لانه لم يكره عليه وانما كان باختياره وارادته فاجرى الطلاق او غيره من الامور الاكراهية .
هنا نطرح بحثا معقدا اخر مرتبط بالاكراه والانشاء والاخبار وهو بحث التورية مع انه بحثناها في المكاسب المحرمة ولكنه يحتاج الى مزيد من الغوص وربطه بالاكراه لانه كان بامكانه التورية في الاكراه فالبحث خوارزميا وشبكيا مرتبط بعضه ببعض فالسيد اليزدي ذهب الى ان التورية مصداق الكذب اما انها تجوز بالمسوغات هذا امر اخر وهذا بحث حساس فاذا كانت التورية كذبا فلا تورية بدون مسوغ واما اذا لم تكن مصداقا للكذب فتسوغ الا بعنوان ثاني فتحرم .
هذا بحث وقع فيه الاعلام كثيرا بغض النظر عن الحكم هل التورية في نفسها موضوعا كذب ام لا? ووردت نصوص انه مثلا يطرق الطارق الباب وانا مشغول ولا احب ان التقي به فاشير للجارية او من يستقبل انه يقولون ليس فلان ههنا ويشيرون الى مكان ما فالطارق يتبادر الى ذهنه البيت بينما المتكلم يريد عند الباب مثلا ففي الرواية ان هذا ليس بكذب بينما السيد اليزدي يؤول هذه الرواية وكذا في قصة ابراهيم موجود بل فعله كبيرهم فاسألوهم ان كانوا ينطقون او ان في يوسف انكم لسارقون ولم يقل سارقون صواع الملك باعتبار انهم سرقوا النبي يوسف بلحاظ الماضي لا الحاضر قالوا ماذا تفقدون? فما ربطه بسارق هو يقصد السارقون سابقا فهو ما قال سرقوا صراع الملك وانما قال نفقد وهذه بحوث محل ابتلاء على الصعيد الفردي او الاجتماعي والسياسي والعسكري والامني انه ما الفرق بين الكيد والمكر?
مثلا في الروايات كل مكر وخديعة الى النار مع انه ورد في الروايات المكر مع اهل المكر وفاء عند الله والغدر مع اهل الغدر وفاء عند الله والوفاء مع اهل الغدر غدر عند الله او الحرب خدعة هنا بحث اخلاقي وانا اريد ادخل في قضية الارادة الجدية في الانشاء والاخبار فبعض الاعلام قال ولو لم تكن التورية ماهيتها كذبا ولكن يوجد فيها ملاك الكذب والغش والخداع والمكر طبعا ليس بحثنا في التورية وانما بحثنا ان الانشاء مرهون باي مرتبة من مراتب الارادة فهذا هو كلام العلامة الحلي في التحرير انه لو اكره على الطلاق فنوى يعني ممكن انه ما ينوي لكنه نوى فيقول ليست ارادة جدية للطلاق .
فالبعض ذهب الى ان التورية ليست مصداقا وماهية للكذب ولكن التورية ينطبق عليها ملاك ومصداق الكذب كالخدعة والمكر والكيد والغش والغدر وهذه نكتة جديدة انه قد الشيء نفسه لا يصدق عليه ماهية معينة ولكن يمكن ان تنطبق عليه طارئا ماهيات اخرى طبعا مقابل الغش هو النصح كما ورد في شأن ابي الفضل العباس بالغت في النصيحة ومقابل الغدر الوفاء ومقابل الكذب الصدق وهذه باقة مرتبطة مع بعضها البعض .
السيد اليزدي يذهب الى ان التورية نفس ماهيتها الكذب لكنها تسوغ كما يسوغ الكذب في موارد، وكما مر ليس حرمته على درجة واحدة وانما بلحاظ المتعلق والمفسدة فمفسدة الكذب يمكن تصويرها في التورية ان لم تكن كذبا موضوعا فهي تحمل في طياتها مفسدة الكذب فالسيد اليزدي بغض النظر عن صحة دعواه يقول ان الكذب ان تفهم بكلامك السامع خلاف الواقع .
انا ارى ان كلام السيد صحيح وغير صحيح ومر هذا بحث مهم جدا وهو باب الاخبار والانشاء ومن ثم علماء البلاغة عقدوا عقدوا له بابين مهمين في علم المعاني فالتوسع في علم البلاغة كالدم يسري في مباحث العلوم لاحظ كتابي المطول او مختصر المعاني كيف هو مهم? فاذا تقرأ المختصر بالتعليقات الكثيرة عليه قد يعادل المطول سنواصل ربط البحث بكلام السيد اليزدي .