47/06/26
الموضوع: نظام الولايات (50) / رافع الإكراه للأحكام والأبعاد الموضوعية
كان الكلام في انه كيف رفع عن امتي ما استكرهوا عليه يتميز في بعض الموارد برفع الاحكام الوضعية والتكليفية دون بقية الفقرات وهذا ما ذهب اليه الشيخ في الاكراه او الاستكراه والحرج وهذا البحث في نفسه طويل عريض حساس .
مثلا في مبحث الاقل والاكثر حديث الرفع يرفع المشكوك ويثبت لك صحة الباقي لان المشكلة في الاقل والاكثر ليس فقط رفع المشكوك وانما احراز ان الباقي صحيح لانه اذا كان الباقي مرهونا بالمشكوك فلا يكون صحيحا وسيما مع الشك يعني هناك التفات موجود وليس عن غفلة او مثلا عند الاضطرار كيف هذه القاعدة ترفع بعض اجزاء الواجب? سواء في الصلاة او الطواف او السعي او الوضوء وهلم جرا من موارد عديدة وهي غير منصوصة بنصوص خاصة وعلى القاعدة فكيف حديث الرفع يرفع جزءا ويبقي اجزاء? هذا مفاد وضعي يعني اقل واكثر عند الاضطرار واقل واكثر عند النسيان وعند الجهل وعند الخطأ وعند الحرج .
ففي مبحث الاصول العملية ربما ست او سبع قواعد ذكرها الاعلام في الاقل والاكثر وهي في غير الجهل وما لا يعلمون فيثبت ان الباقي صحيح هذا مفاد وضعي ولا يكفي تأمين عدم العقوبة فقط وهذا بحث صعب وطويل لا نريد بسط البحث فيه وانما يذكر في تنبيهات الاقل والاكثر وشيئا ما في البراءة لان الاقل والاكثر من مباحث العلم الاجمالي لكن نشير اليه اجمالا ان الرفع هو هو والمرفوع هو قلم المؤاخذة انما يحتف بحديث الرفع مقدمات اخرى تستلزم الاستظهار من هذا الحديث نفي رفع الحكم الوضعي او اثبات الحكم الوضعي او رفع الحكم التكليفي او اثبات الحكم التكليفي مع مقدمات اخرى .
والسؤال انه هل حديث الرفع هو بمفرده ؟ نقول كلا فيذكر الشيخ الانصاري في المعاطاة ان بعض الاحيان من اجتماع دليلين او ثلاثة او اربعة او خمسة يستنبط الفقيه مفادا خامس سادس السابع مثل شراء المشتري والديه الرقيين فينعتقا عنه مع انه عندنا لا عتق الا في ملك والبيع ثمرته الملك والعمودان لا يملكان فكيف يجمع بين هذه الادلة وبين النص الخاص انه اذا اشتراه والديه ينعتقا عليه ؟ نعم يستكشفون فيه الملكية وان النهي نفي للملكية العامة بنحو مستمر لا بنحو الاني التقديري او الملك التقديري فنقول هذا الملك التقديري من اين اتى? فهو لم يأت من هذا الدليل بمفرده ولا ذاك وانما العقل يستكشف من مجموع الادلة مدلولا اخر فهو ليس حكما عقليا مستقلا وانما حكم عقلي غير مستقل ومستنتج من مجموعة امور .
هذا شبيه ما يذكره الاعلام في مبحث انقلاب النسبة يعني انت ايها الباحث لاحظ ان في التعارض الادلة ليس بالضرورة يكون بين دليلين فقط وانما ربما ثلاثة او اربعة او خمسة او ثمانية مثلا في زواج البكر سبعة طوائف من الروايات وغالبا في المسائل المهمة الخطيرة تجد طوائف عديدة من الروايات فهل هي في مرتبة واحدة? انت تبعض وترتب باي شاهد وباي قرينة فبحث انقلاب النسبة مهم ومعقد لكنه صحيح وحجة .
انا ذكرت هذه المباحث لكي ابين ان هناك دلالات التزامية للادلة لابمفردها ولا دلالة التزامية لهذا الدليل بنحو الدوام انما تكون دلالة التزامية لهذا الدليل بتركيب مع الادلة الاخرى وهذه حالات موجودة في الفقه وفي علم الكلام وفي التفسير وسائر العلوم الدينية فهي دلالات اخرى وليست دلالة التزامية للدليل بمفردها وهذه النقطة جدا لطيفة فهي اما تدخل في باب انقلاب النسبة او في غيره .
مثلا عند اجتماع الامر والنهي تخرجه في التوليف بين النهي والامر ليس بمفاد النهي بمفرده ولا مفاد الامر بمفرده وانما مع بعض توليفة معينة فربما يدخل على الخط دليل ثالث في التزاحم والترتب هكذا وبتعبير الميرزا النائيني في بحث الترتب يقول اذا التفت الفقيه الى المقدمات يقطع بحجية الترتب مع ان له مقدمات عديدة ولكن من هذه المقدمات يصلون الى هذا المفاد الالتزامي وبحث الاصول عموما هو هكذا مباحث تأويلية بامتياز فهي باطنة خفية ورواد العقول شيئا فشيئا يفتقونها ويعبدون الطريق للاخرين فاول من ابتكر الترتب يقال هو الكركي ولكن هذا لا ينفي حجيته وكثير من اشكالات عمالقة علمائنا الاخباريين انه هذا تأويل وكذا وكذا ولكنهم يرون ان هذه مباحث اصولية دقيقة وسليمة وسديدة في محلها او مثلا هل جمع الماهية المركبة على الصحيح او الاعم? مجرد تصور الاقوال في هذه المسألة هو مبحث غامض فهناك خمس او عشر معاني للصحة والفساد ومصير الاستنباط في يوميات الفقه مرهون به .
هذه الصيحات الجهولة التي تقول هذه تعقيد في الاستنباط او تكلف وتأويل غير عرفي هي مردودة فالاصول كله هكذا ولما يكون علم الاصول في فقه الفروع هكذا فكيف به في فقه العقول وفقه القلوب فهو اغمض واغمض فللقرآن بطن ولبطنه سبعين بطن ولكلامنا بطن وله سبعين بطن كالقرآن .
انا اشرت لهذا المطلب لانه اول تساؤل سيواجهنا انه كيف حديث الرفع بعض المواد فيه عنده مفاد وبعضه ما عنده مفاد؟ فكيف دلالة التزامية لمدلول مطابقي ليست لها معية في كل الموارد للدلالة المتطابقية وانما في بعض الموارد ؟ فهذا يمكن بهذه النكتة وهي نكتة انضمام بعض الادلة الاخرى في بعض فينتج مفاد الدلالة الالتزامية والا طبيعة الدلالة التزامية ان كانت للدليل بمفرده دائما فيها تلازم فلا بد ان تلازم الدليل دوما اما اذا يتبعض فكيف يتبعض نقول بهذه النكتة?
الان نطبق هذا البحث في حديث الاكراه فهو ايضا رفع المؤاخذة لكن في بعض الموارد في العقود مثلا اذا رفع اللزوم التكليفي العقلي فاذا رفع اللزوم الشرعي يعني الوفاء التكليفي قد ذهب فاذا ذهب فلا يمكن بقاء اللزوم الوضعي كذلك الصحة مرهونة بالرضا والطيب فنقول اذا كان العقد ليس بلازم وهو غير راضي وابرز عدم الرضا فلا يكون العقد باقيا فالصحة ايضا ترتفع فاذن في موارد الاكراه مع رفع اللزوم العقلي والشرعي ما يعقل انه يرتفع اللزوم التكليفي ويبقى اللزوم الوضعي واذا ارتفع اللزوم الوضعي فالصحة تتزلزل فيرتفع الحكم الوضعي لاجل ان حديث الرفع رفع المؤاخذة فيه مفاد دائم لرفع الحكم الوضعي والتكليفي .
طبعا الشيخ الانصاري في مبحث حديث الرفع في الرسائل اشار الى هذا المطلب وليس هو غافل عنه لكن الشيخ هنا مرر هذا البحث كانه استثناء او تخصيص ان حديث الرفع فقط يرفع المؤاخذة في خصوص الاكراه وفي خصوص الاكراه يرفع الوضع كلا ليس هذا استثناء وتخصيص بل النكتة التي مرت بنا انه الدليل اذا اجتمع مع ادلة اخرى قد يستنبط منه مفاد التزامي لا بنحو دائم بل بلحاظ بعض الموارد وهذي طريقة ممكنة .
هذا بالنسبة للمحمول وتبين ان عقد المكره وانشاؤه فيه خلل من جهات عديدة من جهة طيب النفس ومن جهة الرضا الانشائي ومن جهة الاكراه ، بقي مطلبان في المحمول وسنعاود الى موضوع الاكراه وهو معقد ومهم فالاعلام بحثوا في المحمول انه اذا رضي المكره فهل يصح ام لا يصح? المشهور ذهب الى انه يصح ولا اشكال فيه واعترض بان ظاهر دليل لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض منكم ان الانشاء حين صدوره يكون ناشئا من الرضا او لااقل مقارنا له وظهور الاية هكذا .
فالمهم الشيخ يأتي باجماع وتسالمات وموارد منصوصة مثل العقد الفضولي وغيره وهذا ليس صدور العقد عن تراض فهنا لابد ان نرفع اليد عنه هذا هو اشكال الشيخ لعله بصورة اثارة علمية فقط ثم طوره اكثر فاذا ارادة جدية غير موجودة فاصل الانشاء محل تأمل يعني عاد الاشكال الاصلي في موضوع المكره ولو كاثارة علمية .
يوجد هناك مبنى انه اذا لم تكن في البين ارادة جدية تامة فاصل الانشاء محل اشكال وليس هو انشاء جدي ويشبه الانشاء الهزلي فتجارة عن تراض لان اصل الانشاء متقوم به فضلا عن عن صحته شرعا فالبعض هكذا اشكل والشيخ كذلك قال في الفضولي كيف يكون اجماع وموارد ونصوص?
ولكن ببيان تحليلي للجواب عن هذين الاعتراضين اولا نص موجود معتبر ومفتى به ان المرأة السكرانة اذا قبلت النكاح او عقدت على نفسها وبعد ما افاقت تخيلت كما قد يتخيل العرف ان التلفظ بالعقد كانما هو سبب تكويني وهذه نقطة لطيفة يمكن يستفاد منها في حل الاشكالات انه كيف يتصور الارادة وعدم الارادة?
والرواية هي عن اسماعيل بن بزيع وهو كأنه في الدولة العباسية ومرجعا وثريا وكان لديه القصر الاخضر ، محمد بن الحسن باسناده ، عن الحسين بن سعيد ، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال : سألت أبا الحسن ( عليه السلام ) عن امرأة ابتليت بشرب النبيذ فسكرت فزوجت نفسها رجلا في سكرها ، ثم أفاقت فأنكرت ذلك ، ثم ظنت أنه يلزمها ففزعت منه فأقامت مع الرجل على ذلك التزويج أحلال هو لها أم التزويج فاسد لمكان السكر ولا سبيل للزوج عليها ؟ فقال : إذا أقامت معه بعد ما أفاقت فهو رضا منها ، قلت : ويجوز ذلك التزويج عليها ؟ فقال : نعم .[1]
فهي لما افاقت رأت نفسها كأنها متورطة فمكنت من نفسها الامام قال هذا رضا منها فهي لما كانت سكرانة وغير واعية قبلت بذلك فالشاهد في هذه الصحيحة ان هذه السكرانة انشاء جدي منها ما موجود ولكنه نافذ وهذا يحلحل عقدة انشاء المكره او الفضولي فهذا المقدار من الانشاء يعتد به سواء بالدلالة الاستعمالية والتفهيمية فحتى السيد المرتضى يقول ان النائم عنده ارادة وهذا نص على ان الانشاء لا يتقوم بالارادة الجدية البتية وانما الاستعمال بنفسه كافي .
طبعا تارة الداعي هو الهزل او شيء اخر فهذا ليس محل البحث نحن كلامنا ليس في وجود دواعي جدية ممانعة وانما فقط ارادة استعمالية او تفهيمية فتلحق بها الارادة الجدية فهذا لا مانع منه فهذه الصحيحة شاهدة لاصل مبحث عقد المكره او طلاقه او انشائه او ايقاعه وايضا شاهدة لبحث العقد الفضولي انه يكتفى بالانشاء التفهيمي الاستعمالي وشيئا من الجدي المعلق او المرهون او المتزلزل فيكفي ذلك وليس من الضروري ان يذهب الى نهاية مراحل الانشاء وقد مر ان الانشاء يبدأ حتى من التلفظ والمعنى التصوري فضلا عن المعنى الاستعمالي وهي المرتبة الثالثة والمرحلة التفهيمية هي الرابعة والجد المشوب المتزلزل المعلق هو المرتبة الخامسة والجد التام والبات يمكن يفرض له مراتب من الجد .
هذا يفتح بابا مهما في المسائل العلمية والدينية وهي مراتب الاخبار والانشاء وكثير من غموض والعقد والاشكاليات هي لعدم التمييز في مراتب الانشاء والاخبار وليس عبطا ان علماء البلاغة والمعاني عقدوا بابا خاصا من ضمن الثمان ابواب وهو باب الاخبار والانشاء فهو بحث معقد ومهم هذا هو حل الاشكال الثاني .
اما الاشكال الاول لا نأتي بجواب الشيخ حيث قال تجارة عن تراض ويمكن حله بسهولة فالمراد من التجارة هو المسبب لاالسبب ﴿لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض﴾[2] فالمسبب ما يحصل الا عن تراض اما السبب وهو الانشاء والايجاب والقبول يمكن ان ينفك كالإيجاب افترض زمانه غير زمن القبول ولو دقيقة وثواني ولكن هذا لا يجعل انشاء الايجاب فاسدا ولا القبول انشاؤه فاسدا لا سيما مثل بيع الصرف ففي هذا البيع لا يتم العقد بالايجاب والقبول فقط بل لا بد من القبض وهو يستغرق زمنا عن الايجاب والقبول ففي بعض العقود كعقد الصرف وعقد الهبة لا يتم العقد والايجاب والقبول فقط بل لا بد من القبض فحينئذ لا مانع .
فاذن الرضا وبقية الشرائط لابد من توفرها كاملة في المسبب لا عند اجزاء السبب فالاخيرة وحتى لو كانت غير مع الرضا لا مانع منه فهنا المراد من ﴿لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض﴾ بلحاظ المسبب وهو التجارة وهي لا تتحقق الا ان يصاحبها رضا فالمسبب لا يتحقق الا بعد توفر كافة الشرائط التي منها الرضا الانشائي وهذا الاشكال يندفع فهذا مبحث اخر في الحكم ذكره الشيخ الانصاري في عقد المكره .
نقطة اخرى ايضا في الحكم والمحمول في عقد المكره ذكره الشيخ الانصاري وبعد ان نتم هذا البحث نكون قد انتهينا من بحث الحكم والمحمول في عقد المكره ولكن تبقى علينا بحوث معقدة اخرى في الموضوع حيث قسم منها مرت منها في البداية ومهمة معقدة وقسم اخر بقيت .
اما النقطة الاخيرة في الحكم والمحمول انه هل اذا رضي المكره بعقده? هل نبني على الكشف او النقل? لان هناك فاصلة بين وقوع عقد المكره وبين الرضا قد تكون ايام او اسابيع هذا البحث ليس متميزا عن العقد الفضولي وسيأتي الكلام كاملا في عقد الفضول وان كان هو على اقسام وصور وليس على صورة واحدة فبعض العقود ليست فضولية كعقد المكره ولكنها شبيهة بالفضولية يعني لا تستتب شرائط العقد الا من بعد مضي مدة وسيأتي البحث فيه مفصلا وانصافا الشيخ في المقام ذكر نكات لطيفة يجب ان نستذكرها في عقد الفضولي فيبقى في عقد المكرة فقط بعض الزوايا المعقدة في الموضوع يجب تناولها .