« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

48/02/05

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: منهج الأئمة في مواجهة الظلم/ قراءة في خطبة الإمام الحسين ومفهوم التقية/

منهج الأئمة في مواجهة الظلم: قراءة في خطبة الإمام الحسين ومفهوم التقية

كنا نقرأ خطبة سيد الشهداء (عليه السلام) في كتاب تحف العقول.[1] وقد يرى البعض أنَّ هناك تعارضاً بين ما هو موجود في مصادر الإمامية من خطب سيد الشهداء (عليه السلام)، مع ما ورد من طائفة من روايات الإمام الصادق (عليه السلام) أو بقية الأئمة اللاحقين أو ما شاكل ذلك.

أو يرى أنَّ روايات التقية الواردة، بالفهم الذي يراه، تعارض هذه الخطبة الشريفة للإمام الحسين (عليه السلام) في تحف العقول.

والإشكال: أنَّ هناك فهماً مغلوطاً أولاً لروايات التقية،[2] ويُضاف إلى هذا الفهم المغلوط في مادة التقية، وجود غفلة وتعامٍ وانتقائية عن قراءة النصوص الواردة عن الإمام الصادق (عليه السلام)، أو عن الإمام الباقر (عليه السلام)، أو عن الإمام الكاظم (عليه السلام)، أو عن الإمام الرضا (عليه السلام). وعلى أي حال، فهذه الانتقائية إما أن تكون متعمدة أو أنها ناشئة عن قصور في التتبع والباع، ولا يبعد أن يكون مبعثها هو القصور في الباع.

والشاهد على ذلك: أنَّ الإمام الباقر والإمام زين العابدين والإمام الصادق عليهم السلام قد مدحوا المختار الثقفي، فهل كانت قضية المختار قضية في واقعها؟ إنَّ هذا لفهم متعجرف. وكذلك مدح الإمام الصادق (عليه السلام) التوابين، فهل كانت قضيتهم قضية في واقعها؟

وأياً كان، فإنَّ هذه العجاجات كثيرة، حيث يُقرأ كلام الإمام الحسين (عليه السلام) وسيرته وكأنما هو أمر جامد لا يتجاوز ظرفه. وقد ذكرنا لكم أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) ليس وحده في هذا المنهج، فنفس هذه الخطبة الواردة عنه، ورد قريب منها في خطبة أخرى عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) بعد واقعة كربلاء، وسنقرؤها إن شاء الله، وهي تحمل المضمون نفسه. وتكمن المشكلة بعد ذلك في التشهي في كيفية انتقاء الروايات والاستدلال، فلا تُجمع جميع الروايات.

فمن ضمن عتاب الإمام الحسين (عليه السلام) لعلماء الدين قوله: “فَأَمَّا حَقَّ الضُّعَفَاءِ فَضَيَّعْتُمْ”.

ثم يكمل (عليه السلام) خطابه للعصابة من أهل العلم: “أَيَّتُهَا الْعِصَابَةُ، عِصَابَةٌ بِالْعِلْمِ مَشْهُورَةٌ، وَبِالْخَيْرِ مَذْكُورَةٌ، وَبِالنَّصِيحَةِ مَعْرُوفَةٌ، وَبِاللَّهِ فِي أَنْفُسِ النَّاسِ مَهَابَةٌ، يُهَابُكُمُ الشَّرِيفُ، وَيُكْرِمُكُمُ الضَّعِيفُ، وَيُؤْثِرُكُمْ مَنْ لَا فَضْلَ لَكُمْ عَلَيْهِ وَلَا يَدَ لَكُمْ عِنْدَهُ، تَشْفَعُونَ فِي الْحَوَائِجِ إِذَا امْتَنَعَتْ مِنْ طُلَّابِهَا، وَتَمْشُونَ فِي الطَّرِيقِ بِهَيْبَةِ الْمُلُوكِ وَكَرَامَةِ الْأَكَابِرِ. أَلَيْسَ كُلُّ ذَلِكَ إِنَّمَا نِلْتُمُوهُ بِمَا يُرْجَى عِنْدَكُمْ مِنَ الْقِيَامِ بِحَقِّ اللَّهِ، وَإِنْ كُنْتُمْ عَنْ أَكْثَرِ حَقِّهِ تُقَصِّرُونَ، فَاسْتَخْفَفْتُمْ بِحَقِّ الْأَئِمَّةِ”. [3]

استمرارية المنهج الرسالي في سيرة الأئمة

فأصلاً، لو لم يكن الأئمة عليهم السلام —الإمام زين العابدين، والإمام الباقر، والإمام الصادق، والإمام الكاظم، والإمام الرضا، والإمام الجواد، والإمام الهادي، والإمام العسكري— ولو لم تكن مسيرتهم قائمة على التدخل في الشأن العام، ولو بشكل ناعم، سياسياً ودينياً واجتماعياً، فلماذا قتلهم الظالمون؟

فإما أن يُقال إنَّ الأئمة لم يُقتلوا ولم يُظلموا ولم يُضطهدوا، وإما أن يُلتزم بمفاد الرواية المستفيضة: “مَا مِنَّا إِلَّا مَسْمُومٌ أَوْ مَقْتُولٌ[4] ، وهي روايات متعددة بألفاظ مختلفة. فلو كان الأئمة عليهم السلام متاركين لإصلاح الجانب الاجتماعي والسياسي والديني العام، وناهين عن المنكر السياسي والعقائدي، فلماذا يُقتلون؟

إنَّ نفس سيرتهم المقتضية لقتلهم دليل على أنَّ السلطات الأموية والعباسية كانت تلمس منهم تنامياً للقدرة والقوة، وإعداداً لهما، فمن ثم كانت تخشاهم، وتصل إلى قرار بتصفيتهم عليهم السلام.

ولماذا وصلت قريش في السنة الثالثة عشرة من بعثة النبي (صلى الله عليه وآله)، بنص القرآن، إلى قرار إما قتله أو حبسه أو إخراجه؟ لأنهم رأوا أنه يسحب البساط من تحت أيديهم. فلو لم يكن للنبي (صلى الله عليه وآله) نشاط اجتماعي وسياسي وعقائدي وديني في كل المجالات العامة، فكيف كانت ستحصل لديه القدرة والقوة؟

وكذلك بنو أمية وبنو العباس، عندما يعللون سجن الأئمة أو اضطهادهم أو قتلهم، فإنهم جميعاً يعللون ذلك بالخوف من سحب البساط والسلطة من أيديهم بالشكل الناعم. فلو لم تكن هناك مؤشرات على هذا النشاط، فكيف يُعقل ذلك؟ وعليه، لو كان الأئمة جامدين لكانوا مثل بقية علماء أهل السنة، الذين كان منهم الكثيرون ولم يتعرضوا لما تعرض له أئمة أهل البيت عليهم السلام.

إذاً، هناك حساسية خاصة واضحة، وتحسس وتخوف من السلطتين الأموية والعباسية، من أنَّ أهل البيت عليهم السلام، رغم اتباعهم أسلوباً ناعماً أو بارداً، كانوا في مواجهة حقيقية، وكان لديهم تنامٍ في القدرة.

وعلى أي حال، لماذا يركز أئمة أهل البيت عليهم السلام أجمعون على زيارة الحسين، والعزاء على الحسين، وإقامة الشعائر الحسينية؟ لماذا لم يركز إمام آخر على هذه المنزلة، مع أنهم نور واحد وكلٌّ يأخذ بالكل؟ إنَّ من لوازم إقامة النظام العادل إضعاف الأنظمة الظالمة أو إزالتها، ولو بآليات متعددة.

وقد وردت روايات متواترة ومستفيضة عن الإمام الصادق (عليه السلام) في زمانه يحث فيها المؤمنين، بل كبار تلامذته، على ذلك. فإذا أردت أن تقرأ قراءة سياسية، فلماذا لا يكون التركيز على أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو أبو الأئمة وسيد الأوصياء، وقد عُرف قبره في زمن الإمام الصادق (عليه السلام)؟ ولماذا لا يكون التركيز على الإمام الحسن (عليه السلام)؟ بلا شك أنهم أعظم الأمة وأساس المذهب، وحقهم واحد.

والجواب: أنَّ من الواضح أنَّ في ذلك إيجاداً للوعي بأنَّ للأئمة مشروعاً، تماماً كما أنَّ للإمام الحسين (عليه السلام) مشروعاً. فليس الأمر أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) قضية في واقعة، فلو كان كذلك، فلماذا كل هذا التأكيد عليه؟ وعندما يُقال عن كلمات الإمام الحسين: “لا تأخذوا بها”، فما معنى ذلك؟ إنَّ كلامهم بالتالي واحد. وعلى كل حال، يتضح في هذا المسلك نوع من العجرفة في كيفية الاستدلال والفهم، فضلاً عن الفهم المغلوط لمعنى التقية.

 

المفهوم الحقيقي للتقية: كتمان المشروع لا الجمود

وما معنى التقية؟ التقية هي الكتمان والسرية. ولكن كتمان ماذا؟ إنَّ لديك شيئاً تكتمه: نشاط، مسؤولية، مشروع. فالكتمان والخفاء والسر كلها تعني أن تكون على حذر، فـ “الْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ حَذِرٌ[5] ، أي أنك في حالة مواجهة، ولكن اجعلها مواجهة باردة ناعمة، ففي النهاية هناك سباق على القدرة، ولو باللغة الناعمة.

وقد أغرقونا في فهم يفضي إلى الجمود والانبطاح وتسليم الأمور للعدو.

فهل معنى التقية الاستسلام؟ كلا يا أخي.

ومثال ذلك أنك تلاحظ اليهود في العالم اليوم؛ فهم لا يظهرون على السطح، وكل عملهم تحت الستر، ومع ذلك يملكون العالم. فالبنك الدولي يهودي، ومؤسسة النقد الدولي يهودية، وشركة سويفت (SWIFT) التي تشرف على كل المبادلات التجارية الضخمة عالمياً يهودية. فروسيا لم تتخلص منهم، والصين إلى الآن، رغم كل قوتها، لا تزال تحت تحكمهم. إنَّ مسيحية أمريكا وأوروبا الغربية تحت قبضتهم، والنفط والإعلام والجامعات تحت قبضتهم. فلماذا هذا التحسس البشري من اليهود؟ لقدرتهم وقوتهم. نعم، هم أشرار ودمويون ويُشعلون في الأرض فساداً، هذا صحيح، ولكنها قدرة.

فالحاصل أنَّ الكتمان لا يعني الجمود، والسرية لا تعني الجمود، بل معناها على العكس: التسلق إلى مواقع القدرة بخفاء، فلديهم مشروع.

فيعجب الإمام (عليه السلام) ممن يجمد، نعم، قد تختلف الآليات وتتباين الظروف، لكن المشروع هو هو. ثم يعود الإمام الحسين (عليه السلام) ليقول: “بِمَا يُرْجَى عِنْدَكُمْ مِنَ الْقِيَامِ بِحَقِّ اللَّهِ، وَإِنْ كُنْتُمْ عَنْ أَكْثَرِ حَقِّهِ تُقَصِّرُونَ، فَاسْتَخْفَفْتُمْ بِحَقِّ الْأَئِمَّةِ، فَأَمَّا حَقَّ الضُّعَفَاءِ فَضَيَّعْتُمْ، وَأَمَّا حَقَّكُمْ بِزَعْمِكُمْ فَطَلَبْتُمْ[6] .

مسؤولية العلماء وتضييع حقوق الضعفاء

ففي مبدأ سيد الشهداء (عليه السلام)، يُدافَع عن الضعفاء. والضعفاء هم نفس المادة الواردة في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾[7]

فَأَمَّا حَقَّ الضُّعَفَاءِ فَضَيَّعْتُمْ، وَأَمَّا حَقَّكُمْ بِزَعْمِكُمْ فَطَلَبْتُمْ، فَلَا مَالًا بَذَلْتُمُوهُ، وَلَا نَفْسًا خَاطَرْتُمْ بِهَا لِلَّذِي خَلَقَهَا”. أي لم تخاطروا بها حتى لمنكر فردي. وقد سُئل جملة من العلماء، ومنهم السيد محسن الحكيم (رحمه الله)، عن المخاطرة بالنفس لأجل النهي عن المنكر، فكان الجواب: إذا كان ذلك في سبيل حفظ بيضة الدين، [8] فهو من أعظم الأعمال. والدين أعظم من الجانب الاجتماعي والسياسي العام.

وَلَا عَشِيرَةً عَادَيْتُمُوهَا فِي ذَاتِ اللَّهِ. أَنْتُمْ تَتَمَنَّوْنَ عَلَى اللَّهِ جَنَّتَهُ وَمُجَاوَرَةَ رُسُلِهِ وَأَمَانًا مِنْ عَذَابِهِ. لَقَدْ خَشِيتُ عَلَيْكُمْ…”.[9]

ولماذا رفع الله النبي عيسى (عليه السلام)؟ ألم يريدوا قتله؟ ولو لم تكن هناك مناكفة في القوة، ولو بشكل ناعم، بين النبي عيسى (عليه السلام) والطرف الآخر، فلماذا يصممون على قتله، والله تعالى يقول فيه: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؟ لقد وردت آيات متعددة تفيد أنهم أرادوا قتله، فلماذا؟ لو كان النبي عيسى (عليه السلام) جامداً —ونحن نؤمن بأنه لم تكن له حروب عسكرية كما هو حال أهل البيت عليهم السلام— لما حصلت تلك المجاذبة والمشادة. وهكذا الحال في سيرة النبي إبراهيم والنبي موسى عليهما السلام مع الفراعنة والجبابرة. فسيرة الأنبياء هكذا، وسيرة سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) هكذا، وسيرة الأئمة عليهم السلام هكذا.

﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾[10] .

فَلَا مَالًا بَذَلْتُمُوهُ، وَلَا نَفْسًا خَاطَرْتُمْ بِهَا لِلَّذِي خَلَقَهَا، وَلَا عَشِيرَةً عَادَيْتُمُوهَا فِي ذَاتِ اللَّهِ. وَقَدْ تَرَوْنَ عُهُودَ اللَّهِ مَنْقُوضَةً فَلَا تَفْزَعُونَ، وَأَنْتُمْ لِبَعْضِ ذِمَمِ آبَائِكُمْ تَفْزَعُونَ، وَذِمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ مَحْقُورَةٌ، وَالْعُمْيُ وَالْبُكْمُ وَالزَّمْنَى فِي الْمَدَائِنِ مُهْمَلَةٌ لَا تُرْحَمُونَ، وَلَا فِي مَنْزِلَتِكُمْ تَعْمَلُونَ، وَلَا مَنْ عَمِلَ فِيهَا تُعِينُونَ، وَبِالْإِدْهَانِ وَالْمُصَانَعَةِ عِنْدَ الظَّلَمَةِ تَأْمَنُونَ. كُلُّ ذَلِكَ مِمَّا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النَّهْيِ وَالتَّنَاهِي وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ[11] .

وأكبر المنكرات هو المنكر الديني العقائدي، ثم السياسي والاجتماعي، ثم الاقتصادي. فالمنكر العام أخطر من المنكر الفردي، فأين المنكر الفردي من المنكر العام؟

وَأَنْتُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ مُصِيبَةً لِمَا غُلِبْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ مَنَازِلِ الْعُلَمَاءِ لَوْ كُنْتُمْ تَشْعُرُونَ. ذَلِكَ بِأَنَّ مَجَارِيَ الْأُمُورِ وَالْأَحْكَامِ عَلَى أَيْدِي الْعُلَمَاءِ بِاللَّهِ الْأُمَنَاءِ عَلَى حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ”. [12]

مجاري الأمور، أي الشأن العام، هو مسؤولية العلماء. وهنا يُستفاد مسؤولية العلماء في إقامة الدولة الدينية والحكومة الدينية. ذلك بأنَّ مجاري الأمور والأحكام —والأحكام تشمل القضاء (السلطة القضائية)، والفتوى (السلطة التشريعية)— على أيدي العلماء بالله.

ذلك بأنَّ مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله، الأمناء على حلاله وحرامه، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة، وما سُلِبتم ذلك إلا بتفرّقكم عن الحق، واختلافكم في السنّة بعد البيّنة الواضحة.

ولو صبرتم على الأذى -أي التضحيات- وتحمّلتم المؤونة في ذات الله، كانت أمور الله عليكم ترد، وعنكم تصدر، وإليكم ترجع. ومقتضى ذلك أنَّ الحكومة تكون بأيديكم، وهذا تحميل للمسؤولية، وليس مجرد تفويض أو استنابة من الأئمة للفقهاء والعلماء؛ لأنَّ النيابة ليست غنيمة، بل هي مسؤولية.

يقول (عليه السلام): «وَلَوْ صَبَرْتُمْ عَلَى الْأَذَى وَتَحَمَّلْتُمُ الْمَؤُونَةَ فِي ذَاتِ اللَّهِ كَانَتْ أُمُورُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ تَرِدُ وَعَنْكُمْ تَصْدُرُ وَإِلَيْكُمْ تَرْجِعُ، وَلَكِنَّكُمْ مَكَّنْتُمُ الظَّلَمَةَ مِنْ مَنْزِلَتِكُمْ، وَأَسْلَمْتُمْ أُمُورَ اللَّهِ فِي أَيْدِيهِمْ»[13]

والحاصل: أنَّ مقتضى هذا الكلام هو الدعوة إلى نزع الحكم من الظلمة، ولو بالآليات الناعمة، وهذا هو ما فعله كل الأئمة عليهم السلام، كالإمام السجاد والباقر والصادق.

والشاهد على ذلك: ما ورد في بعض التقارير التاريخية من أنَّ هارون الرشيد استشعر أنَّ الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) يمتلك قاعدة جماهيرية واسعة، وأموالاً طائلة، وموالين لديهم القدرة العسكرية، حتى وإن لم تكن ساعة الصفر قد حانت. [14] وقد أقدم هارون في نهاية المطاف على سجن الإمام (عليه السلام)، ويُعزى ذلك في بعض الروايات إلى ضعف الوعي الأمني عند بعض المحبين والموالين، حيث كان من المفترض ألا تستخبر السلطة بمثل هذه الأمور.

ومن العجيب حقاً التغافل أو التعامي عن روايات كثيرة تشير إلى أنه كان يُظن أنَّ مهدي آل محمد هو الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) [15] فما معنى ذلك؟ معناه وجود إرهاصات قوة وإعداد واستعداد، وهو ما يتنافى مع الصورة التي تحاول تصوير الإمام الصادق (عليه السلام) قابعاً في المدينة المنورة ليس له تخطيط ولا عمل في الشأن العام.

والسبب في عدم قيام الإمام الصادق (عليه السلام) بنهضة علنية هو ضعف العقلية الأمنية لدى المؤمنين وإفشاؤهم للأسرار، وهناك روايات مستفيضة تذمّ الإذاعة. [16] فلو لم يكن للأئمة عليهم السلام مشروع قوة وإعداد وتمكين، فما معنى أنَّ المؤمنين بإذاعتهم للمعلومات قد أفشلوا مشروع أهل البيت؟

سنن التغيير الإلهي ومسؤوليتنا تجاه الظهور

وإذا كان الظهور يعني وجود مشروع، فماذا يعني تعجيل فرج صاحب العصر والزمان؟ هل يعني جبراً من الله للبشر، بينما يقف البشر متفرجين؟ وهل الدعاء بتعجيل الفرج، الذي هو من أفضل العبادات، يعني أنَّ الله سيقدّر للإمام الثاني عشر إعجازياً وجبرياً أن يملك الدنيا؟

والجواب: إنَّ هذا الفهم يتناقض مع سنن الله في خلقه. قال الإمام الصادق (عليه السلام) بما معناه: لو كان الله يكتب النصر لأحد دون مكابدة، لكتبه لمن هو أعظم من الإمام الثاني عشر، وهو سيد الرسل (صلى الله عليه وآله) وسلم، الذي ما نال ما ناله إلا بالمكابدة والمخاطر.

إنَّ الظهور مرهون بسنن إلهية، منها الإعداد، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾[17] . فهل هذه الآية وأمثالها منسوخة في عقلية البعض؟ وهل آيات مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾[18] ، وقوله: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾[19] ، هي آيات معطّلة؟ كيف تتبدل هذه المعاني التي تمثل قواعد راسخة في الدين؟

إنَّ الوصول إلى القوة ليس أمراً مستحيلاً، فاليهود بالأسلوب البارد والناعم وصلوا إلى قمة القوة، فكيف يقال إنَّ الوصول إلى القوة ليس من مسؤوليتنا، وأنَّ مسؤوليتنا هي التفرج على الفرج؟ إنَّ سنن الله لا تتغير، فـ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، وكما ورد في الحديث: «كَمَا تَكُونُوا يُوَلَّى عَلَيْكُمْ»[20] .

إنَّ القراءات غير الصحيحة لمنظومة الفقه طوال قرون هي التي تسبّب تأخير الظهور، فالمسؤولية ملقاة على عاتقنا. وغيبة صاحب الأمر هي بسببنا نحن، بسبب تخاذلنا. وهذا يطرح مسألة المسؤولية وعلاقتها بالقضاء والقدر، كما في قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾[21] . فلماذا لا تُنسب إلى الله مع أنَّه هو المقدّر؟ إنَّ هذا ليس من الجبر في شيء.

ولتوضيح ذلك، لا بد من قراءة الآيات في سياقها من سورة النساء، حيث يقول تعالى: ﴿…وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾[22] .

فما الفرق بين نسبة الحسنة إلى الله والسيئة إلى النفس، مع أنَّ الجميع “من عند الله”؟

الجواب: أنَّ الحسنة أولى بأن تُنسب إلى الله عز وجل؛ فمع أنَّ الإنسان مختار، إلا أنَّ الله هو الذي أمدّه بالقدرة، فنسبتها إلى الله أولى من حيث التقدير والتدبير والإشراف والعلم.

ومثال ذلك: أنَّ الدولة تعلم بوجود الأشرار في البلاد، وتعلم بمعدل الفساد الذي يقومون به، وقد تترك لهم مجالاً محدوداً إذا كان في مواجهتهم المباشرة تشنجات أكبر في المجتمع. فالدولة هنا تحيط بشرورهم ولديها تدبير وتقدير، لكن الشر ليس صادراً منها، بل من الأشرار أنفسهم، والهيمنة على مجريات الأمور بيد الدولة.

وهكذا الحال في نسبة الأمور إلى الله؛ فكلمة “من عند الله” تعني أنَّ تقدير السيئة والحسنة وقضاءهما والتحكم والسيطرة فيهما هي بيد الله، وهذا هو معنى القضاء والقدر، أي هيمنة الله وسيطرته. أمَّا السبب الإيجادي للخير فهو الله، لأنَّه أحق بالحسنة. وأمَّا السيئة، فهي حرمان، وسبب هذا الحرمان هو العبد لا الله، لأنَّه لا يصدر منه إلا الفيض الحسن.

فالحاصل: أنَّ التسبيب في الشرور من العبد، والهيمنة على الشرور والخيرات ليست إلا بيد الله. وهذا معنى أنَّ الله مسيطر على كل شيء: ﴿…وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾[23] . فلا يُعجِز العبدُ اللهَ ولا يسبقه. فإذا كانت الأمور “من عند الله”، فبمعنى الهيمنة والقضاء والقدر، لا بمعنى أنَّ الله يجبر عباده.

وعليه، فإنَّ قضية الظهور والفرج إذا فُهمت على أنَّها مجرد حدث إعجازي جبري، فإنَّ هذا الفهم يتناقض مع روايات أهل البيت عليهم السلام. فلماذا يُتغافل عن رواية الإمام الصادق (عليه السلام) التي يسأله فيها الراوي عما إذا كان فرج الإمام الثاني عشر سيتحقق بقضاء الله وقدره ومعجزة منه، فيجيبه الإمام بما حاصله: «لا، ما هي إلا المكابدة»؟[24] أليس هذا هو كلام الإمام الصادق المروي في مظانّه؟ فلماذا التعامي عن هذه الرواية وأمثالها؟

إنَّ كلمات الأئمة، من الإمام الحسين إلى الصادق والباقر والجواد عليهم السلام، كلها تؤكد على هذه المسؤولية، كما في الحديث المشهور: «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ»[25] . فلماذا لا تُسمع هذه الكلمات عن الأئمة؟

إنَّ أي ظالم يتسلط هو بسببنا نحن، لأننا مكّناه، كما يقول الإمام الحسين (عليه السلام): «لَكِنَّكُمْ مَكَّنْتُمُ الظَّلَمَةَ». وكيف يكون التمكين؟ بالسكوت والتفرج والانعزال عن شؤون الأمة. أمَّا عندما يعتني المرء بهذه الشؤون، فإنه يكون من المؤثرين في الساحة السياسية والعسكرية وفي القرار العام. أمَّا الاهتمام بمجرد المشاركة القلبية والدردمة، فهذا لا يجدي نفعاً. كن فاعلاً.

ولذلك، فإنَّ من يقرأ حياة الإمام الصادق (عليه السلام) ويقتصر على نشاطاته المعلنة يقع في خطأ منهجي. فهل كان للإمام عمل خفي أم لا؟ وإذا كان له عمل خفي، فهل نتوقع أن نكتشفه بسهولة؟ إنَّ أعمال الأئمة الخفية، كالجواد والهادي عليهما السلام، يصعب اكتشافها حتى يومنا هذا. وقد بدأت تتكشف الآن أنشطة للإمام الصادق (عليه السلام) في دول المغرب العربي من مصادر تاريخية معتمدة في تلك المناطق، لم يكن يعلم بها العلماء لقرون. فهل يصح أن نقول إنَّ سيرة الإمام المعلنة هي الميزان، وأمَّا سيرته الخفية فلا يُحتج بها؟

والشاهد على ذلك: ما ورد في الرواية من أنَّ هارون أراد اغتيال الإمام الكاظم (عليه السلام)، فجلب له من تفليس (جورجيا) مجموعة من القتلة، ولكنهم عندما رأوا الإمام، انقلبوا وأصبحوا من الموالين له. [26] فمن كان يعلم بهذا النشاط للإمام؟ حتى حواريه لم يكونوا يعلمون به. ولولا أنَّ الله أراد أن يُظهر هذه الكرامة، لما علم أحد أنَّ الإمام الكاظم (عليه السلام) هو رجل المهمات الصعبة الخفية.

والرواية في ذلك واردة في حياة الإمام الكاظم (عليه السلام) [27] ، فسيرة الأئمة عليهم السلام جارية على هذا النحو، لا تخلو من أنشطة خفية سياسية وأمنية وعسكرية. بل في موارد كثيرة، كان الأئمة عليهم السلام بتفوقهم البشري -وقد ذكرنا هذا مراراً وتكراراً- قادرين على تحقيق النصر، من دون الاستعانة بالملائكة أو الوحي أو الملكوت أو المعجزات، ولكن الله سبحانه لا يأذن لهم بذلك دائماً.

إنَّ أفعال المعصوم، حتى ما يصدر منها عن تفوق بشري، لا تُسند إلى المعجزة، بل تُسند إلى الله تعالى لكونهم خلفاءه، ويد الله، وعينه، وجنبه. والله عزَّ وجلَّ يقول: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾[28] ، وهو شرط على البشرية.

ويتأكد هذا المعنى بقول الإمام الحسين (عليه السلام) في خطبته: «وَلَكِنَّكُمْ مَكَّنْتُمُ الظَّلَمَةَ مِنْ مَنْزِلَتِكُمْ وَاسْتَسْلَمْتُمْ أُمُورَ اللَّهِ فِي أَيْدِيهِمْ»[29] . فهذه الأمور كلها هي أمور الله، وحكم الله، إذ ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [30] ، فالحكم ليس من شؤون الناس، بل هو من أمور الله.

فالإمام الحسين (عليه السلام) يبيّن أنَّ الحكم العام هو من أمور الله وليس من أمور البشر.

وهذا يدحض الفهم السطحي لقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [31] ؛ فمقتضى الآية أنَّ الشورى تكون فيما أُوكِل إليهم من شؤونهم الخاصة، لا في الشأن العام الذي هو من أمور الله حصراً، كما قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [32] ، فالأمر له سبحانه وليس للبشر.

ولذلك يقرّر العلماء أنَّ هذه الأمور هي أمور الله، وقد خاطبهم الإمام بقوله: «وَاسْتَسْلَمْتُمْ أُمُورَ اللَّهِ فِي أَيْدِيهِمْ يَعْمَلُونَ بِالشُّبُهَاتِ وَيَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ».

والسبب في تسلطهم هذا هو ما ذكره (عليه السلام) بقوله: «صَلَّطَهُمْ عَلَى ذَلِكَ فِرَارُكُمْ مِنَ الْمَوْتِ وَإِعْجَابُكُمْ بِالْحَيَاةِ الَّتِي هِيَ مُفَارِقَتُكُمْ»[33] وهذا يوافق ما أخبر به النبي (صلى الله عليه وآله) من أنَّ الأمة الإسلامية في آخر الزمان تكون من أذل الأمم، وذلك لسببين:

- الأول: غياب القيادات الناصحة المدبرة التي تعبد الآخرة وتهتم بالدنيا والجاه والرئاسة.

- الثاني: خوف الأمة من الموت وطلبها للحياة والعافية والسلامة والراحة والترف والنعيم، وهو ما عبّر عنه النبي (صلى الله عليه وآله) بحب الدنيا وكراهية الموت[34] .

وقد جاء في الأثر التحذير من هذا الميل إلى الليونة بقولهم: «اخشوشنوا فإنَّ النعم لا تدوم».



[2] التقية: مصطلح إسلامي يعني إظهار المرء غير ما يبطن لاتقاء الضرر، ولها أحكام وتفصيلات في الفقه الشيعي تختلف باختلاف الظروف والموارد.
[8] بيضة الدين: كناية عن أصل الدين وجماعة المسلمين ووحدتهم.
[11] إشارة إلى قوله تعالى في ذم بني إسرائيل: سوره مائده، آيه 79.
[14] يراجع في هذا الصدد ما نقله الشيخ المفيد عن أسباب سجن الإمام الكاظم (عليه السلام)، ومنها خوف هارون من اجتماع الشيعة عليه وحمل الأموال إليه. الإرشاد، الشيخ المفيد، ج2، ص235.
[15] وهي عقيدة فرقة الناووسية التي وقفت على إمامة الصادق (عليه السلام) وقالت بأنه لم يمت وهو المهدي المنتظر. يُراجع: فرق الشیعة، نوبختی، حسن بن موسی، ج1، ص67.
[20] العجلوني، إسماعيل بن محمد. كشف الخفاء ومزيل الإلباس.. ط4، مكتبة القدسي، 1351 هـ، ج2، ص127، ح2043
[24] لم نعثر على الرواية بهذا اللفظ، ولكن مضمونها -وهو أنَّ الفرج منوط بالجهد والمكابدة ووجود الأنصار لا بالانتظار السلبي- مستفاد من روايات كثيرة. منها حديث سدير الصيرفي مع الإمام الصادق (عليه السلام)، وفيه يقول الإمام: «وَاللَّهِ لَوْ كَانَ لِي شِيعَةٌ بِعَدَدِ هَذِهِ الْجِدَاءِ مَا وَسِعَنِي الْقُعُودُ». الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج2، ص243.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی:
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو:
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo