47/07/22
الموضوع: أفعال القلب أخطر مسؤولية من أفعال البدن
أفعال الطبقات العليا للإنسان أخطر من الطبقات الأدنى
انطلاقاً من خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام): "ما كنت أعبد رباً لم أره"[1] ، فإن المعرفة في الباري تعالى رؤية، والتصديق بهذه المعرفة تولي وعبادة قلبية وعقلية. وهنا قاعدة مفادها: كلما ارتفعت طبقات الإنسان، كانت الأفعال الصادرة من الطبقات العليا أخطر وأعظم مسؤولية من الأفعال الصادرة من الطبقات الدانية أو المتوسطة.
فالقلب -باعتباره طبقة عليا- أفعاله هي الاعتقادات، والاعتقادات أخطر من الفروع، بينما البدن أفعاله الفروع، وما بين البدن والقلب من متوسطات تكون أفعالها متوسطة.
جُل الكبائر من أفعال النفس
لذلك، إذا سبر الباحث الروايات المستفيضة أو المتواترة الواردة في الكبائر -والتي بيّنها أهل البيت (عليهم السلام) بعد أن كان المسلمون والمذاهب الإسلامية لا يهتدون لتمييز الكبيرة عن الصغيرة حتى بيّنها الباقر والصادق (عليهما السلام)- نلاحظ أن جُل هذه الروايات وارد في أفعال القلب والنفس، وقليل منها وارد في أفعال البدن. ورغم كثرة هذا القليل، إلا أنه بالقياس إلى مجموع الكبائر نجد أن الحظ والنصيب الأكبر والمسؤولية العظمى تقع على عاتق القلب والنفس.
الخلود في الجنة أو في النار بسبب الأفعال القلبية
تزداد خطورة طبقة الإنسان كلما علَت؛ حتى أن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) يقول: "إنما خُلد أهل الجنة في الجنة بالنيات، وإنما خُلد أهل النار في النار بالنيات"[2] . فالمجازاة بالخلود في الجنة هي لفعل القلب وليس لفعل البدن، والمجازاة بالخلود في النار هي لفعل القلب لا لفعل البدن.
لاحظوا خطورة فعل القلب؛ فإذا كان الأمر هكذا، فإن "فقه القلوب" أخطر من "فقه الأبدان" وفقه الفروع، بل هو جداً خطير؛ لأن الخلود -سواء كان إيجابياً أو هلاكياً سلبياً- مرهون به.
الصفات النفسانية والقلبية والروحية أخطر من أفعال البدن
كما مر بنا، فإن جُل الكبائر هي بلحاظ أفعال النفس أو القلب أو الروح، وقلة منها بلحاظ أفعال البدن. فمثلاً، المتكبر من البشر ما هي مجازاته؟ والمنافق ما هي مجازاته؟ والجاحد؟ وهلم جراً. فالباحث يلاحظ أن صفات النفس يُجازى عليها الإنسان أشد مما يُجازى على أفعال البدن.
وهناك قاعدة في بيانات أهل البيت (عليهم السلام) تقول: "فاعل الشر شر من الشر، وفاعل الخير خير من الخير".[3] هذه القاعدة تبين أن الصفات النفسانية والقلبية والروحية أخطر من أفعال البدن.
مصير الإنسان في النجاة أو الهلاك مرهون بأفعال القلب لا البدن
هناك قاعدة معرفية أخرى للمدرسة العقلية الوحيانية لأهل البيت (عليهم السلام) في هذا الخضم، وهي أن أصل مصير الإنسان في النجاة -وليس الكلام عن الخلود فقط، بل في أصل النجاة أو الهلاك- مرتبط بفعل القلب لا بفعل البدن.
صحيح أن للبدن دوراً ومحاسبة ومعاصٍ، ولكن "بوصلة النجاة" وأصل بوصلة الهلاك مرتبطة بفعل القلب. وهذا ليس فقط في بيانات أهل البيت (عليهم السلام)، بل حتى في الأحاديث النبوية المروية عند الفريقين؛ فأصل النجاة مرتبط بفعل القلب، وأصل الهلاك كذلك، وليس بفعل البدن.
ففعل البدن دوره "متمم" و"مكمل"؛ فمثلاً ورد: "من أحب حجراً حُشر معه"، "من أحب أهل الخير حُشر معهم"، "من أحب الظالمين حُشر معهم"، "من أحب أئمة العدل حُشر معهم"، "من أحب أئمة الجور حُشر معهم".[4] أنت مع من أحببت.
وهذه روايات متواترة بألفاظ متعددة بين الفريقين، والحب هو فعل القلب.
الولاية أعظم من الصلاة في الآيات المتواترة بين الفريقين
هذه الطائفة المتواترة عند العامة والخاصة هي إحدى الطوائف الدالة على أن الولاية أعظم من الصلاة عند كافة المسلمين. فالحب هو حب أئمة العدل (ولاية)، وعدم محبة أئمة الجور (تبري). فإذا أحببت أئمة الجور تُحشر معهم، فأصل مصيرك مرتبط بالحب لا بالصلاة والزكاة. نعم، تُعاقب على الصلاة إن تركتها وتُثاب عليها، لكن أصل المصير مرتبط بفعل القلب (الحب).
إذن المحبة ذات سلطة أعظم، وهي لغة من لغات الولاية. وهذه طائفة متواترة عند المسلمين دالة على أن الولاية أعظم من الصلاة؛ فأصل النجاة بالحب، وأصل الهلاك بالحب. وعلينا أن ندون هذه الروايات المتواترة ونلتفت إليها ولا نكتفي بما ذكره صاحب الوسائل أو غيره، فقد لا يتنبه العالم لطوائف عديدة من الأدلة.
الحب والبغض في الله (تعالى) قمة الخلوص لله (تعالى)
طائفة أخرى أشرنا إليها سابقاً ولم أجد شخصياً من أشار لهذا الاستدلال بها على أعظمية الولاية من الصلاة، وهي طائفة: "الحب في الله والبغض في الله".
فقد ورد في أحاديث الفريقين أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سأل أصحابه: "ما هو أعظم شيء؟". قال أحدهم الصلاة، فقال: الصلاة فيها خير ولكن.. وقال آخر الصيام، وآخر الزكاة، وآخر الجهاد، والنبي يجيب بأن لكلٍ شأناً ولكن ليس هو. قالوا: إذاً ما هو أعظم شيء يا رسول الله؟ قال: "الحب في الله والبغض في الله[5] ". وهذه هي الولاية.
إذن، لدينا طائفتان متواترتان عند الفريقين بألفاظ عديدة دالة على أن أعظم شيء يحدد بوصلة مصير الإنسان نجاةً أو هلاكاً هو الحب في الله والبغض في الله، لا الصلاة. فأعظم شيء يأبه به الله هو الحب فيه.
وفي حديث قدسي، سأل الله عز وجل النبي موسى: "يا موسى، ائتني بعمل عملته لي خالصاً". فذكر موسى الصلاة والصوم والجهاد والزكاة، وكان الجواب الإلهي أن هذه الأعمال فيها نفع لك (جنة، حماية..)، وليست خالصة لي (بالمعنى الأخص).
وليس المقصود أن النبي موسى لم يأتِ بها خالصة، بل يبين الحديث القدسي أن هذه الأعمال ليست فيها قابلية "الخلوص الأعلى". فالخلوص الأعلى النقي الصفي الشفاف منحصر في "الحب في الله والبغض في الله". وهذا الحديث رواه العامة والخاصة، ومفاده أن الإخلاص الأعلى لا يتأتى إلا بالولاية، أما الصلاة فليس فيها هذه القابلية؛ لأن فيها دوافع ذاتية للإنسان (شاء أم أبى) ارتكازاً.
ولاية موسى (ع) للنبي (ص) أعظم من جميع عباداته
إن الإخلاص الموجود في الأنبياء في ولايتهم لله وللأنبياء وللأوصياء أعظم من الإخلاص الذي يأتون به في الصلاة. فالنبي موسى (على نبينا وآله وعليه السلام) وهو من أولي العزم، إخلاصه في توليه لله ولسيد الرسل ولسيد الوصيين أعظم من كل صلوات عمره، وأعظم من كل صيامه وجهاده وزكاته؛ فتوليه أعظم.
امتحان النبي إبراهيم (ع) في الولاية ونيله الإمامة
وكذلك النبي إبراهيم (عليه السلام). ففي الروايات الواردة في قوله تعالى: ﴿(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ)﴾[6] ، أي امتحان امتحن به؟ لقد جوزي بهذا الامتحان بالإمامة. إنه امتحان الولاية؛ امتحنه الله في الأربعة عشر معصوماً، فأتمهن إلى القائم صاحب العصر والزمان.
فعندما انقاد قلبه لصاحب العصر والزمان -بعد انقياده للثلاثة عشر- حينئذ وهبه الله الإمامة. لم يهبها له لصلواته وزكاته وصيامه وحجه، وإنما لولايته وتوليه. لِمَ؟ لأن الولاية أعظم من كل بقية أركان الدين. وهذه شواهد دامغة في روايات الفريقين. وتعبير "صدّق بكلمات" يعني عقيدة وتولياً، كما صدقت مريم بكلمات ربها، فهو امتحان قلبي عقائدي لا بدني.
امتحان الأنبياء بولاية سيد الأنبياء (ص) لنيلهم النبوة
ومن البراهين القرآنية التي يبينها أهل البيت (عليهم السلام) ما ورد في سورة آل عمران: ﴿(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ)﴾[7] .
فالنبوة والرسالة أُعطيت لهم بشرط وبعوض. عوض ماذا؟ صلاتهم؟ صيامهم؟ جهادهم؟ لا، بل عوض ولايتهم لسيد الأنبياء. فأصل النبوة أُعطيت لهم وجوزوا عليها بالولاية التي هي أعظم من صلواتهم وزكاتهم.
وكذلك آية المودة: ﴿(قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)﴾[8] ، فهي ذروة أجر الرسالة، والكفة المعادلة لكل الدين. فهل الصلاة كانت هكذا؟ كلا. فالمودة (الولاية) هي الأعظم. وكذلك آية: (﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)﴾[9] . فآية إمامة إبراهيم، وآية المودة، وآية ميثاق النبيين، كلها تدل على أن الولاية أعظم من الصلاة والزكاة ومن كل أبواب الدين.
ويكفيك أن نبوة الأنبياء كانت بتوليهم لسيد الأنبياء، فالنبي إبراهيم لم ينل الإمامة إلا بعد أن صدق بكلمات الله؛ لأن تولي العظيم لمن هو أعظم منه ليس أمراً سهلاً، فإبليس أخذته النخوة، أما إبراهيم فسلم، فسلم، فنال.
الأصول الثلاثة في الولاية الله (تعالى) والنبي والآل (ص)
هذه منظومة في الآيات والأحاديث المتواترة: الولاية أعظم شيء في الدين. وهي ثلاثية: ولاية الله أولاً، ثم ولاية الرسول ثانياً، ثم ولاية الأئمة ثالثاً. ﴿(أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ)﴾[10] ، وآية الولاية ﴿(وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)﴾[11] ثلاثية، وحتى آية المودة فيها الأصول الثلاثة (قربى، ونبي الله، والله).
هذه الثلاثية يكرسها القرآن الكريم، وليس فقط في آية الإكمال. فكل هذه الأصول الثلاثة فيها شهادة ثالثة. وحتى قوله تعالى: ﴿(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)﴾[12] فيها أصول ثلاثة. وتارة يذكر الله "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول" في مورد واحد، فهل في ذلك منافاة؟ كلا، فإثبات الشيء لا ينفي ما عداه.
الخوئي وآية إكمال الدين مطلوبية اقتران الشهادات الثلاث ضرورة
كما يقول السيد الخوئي (رحمة الله عليه) في شرح العروة، في كتاب الصلاة، باب الأذان، في فصل التشهد: إن دلالة قوله تعالى (﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)﴾، و(﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)﴾[13] -حيث أن "اليوم" هي الشهادة الثالثة، و"الإسلام" هي الشهادة الثالثة-، يقول السيد الخوئي: إن دلالة هذه الآية (آية إكمال الدين) على مطلوبية "الثلاثي" في التشهد والشهادات هي "ضروري الدين" و"بديهي الدين".
عندما يقول السيد الخوئي "ضروري الدين" فهو ينسب هذا الأمر لكل علماء الإمامية. وكلامه صحيح سديد؛ إذ لا حاجة للتمسك برواية الاحتجاج المرسلة فقط، بل القضية قضية ضرورة دلالتها في الآية، وليست محلاً للتأمل.
خطورة صفة العناد في قلب الإنسان لله (تعالى) والنبي والآل (ص)
هناك خريطة عظيمة يبينها أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخطبة القاصعة، مفادها أن أفعال القلب أعظم في العبادة من كل أنواع العبادات، وجزاؤها أعظم. فالجانب القلبي شيء والجانب البدني شيء آخر، والصفات النفسية (كالعناد والكبر والتسليم) هي المحك والميزان الأخطر.
الصلاة كتلة برمتها عقائدية
وختاماً، إنما اعتبرت الصلاة "عمود الدين" لأن الصلاة كلها "كتلة عقائدية" من أولها لآخرها، في أقوالها وأفعالها. ليس في الصلاة زاوية أو قطعة أو "حتة" أو "زنگة" ليست عقائدية.
الصلاة جزءاً جزءاً وعقدة عقدة كلها عقائد، مملوءة ومتمحضة في العقائد. ورغم ذلك، فإن هذه الصلاة البدنية ليست كالصلاة القلبية التي هي الولاية. وكيف أن الولاية صلاة قلبية، والصلاة القلبية ولاية؟ هذا دين نتحمل عهدته في بيانات أهل البيت (عليهم السلام) الذين عندهم منظومة برهانية قرآنية على هذا المطلب.