الأستاذ السید منیر الخباز
بحث الفقه
45/08/09
بسم الله الرحمن الرحيم
/تعریف العقد و أرکانه /
الموضوع: /تعریف العقد و أرکانه /
الوجه الثالث: دعوى دلالة بعض الروايات على عدم قدح الفصل الطويل في صدق عنوان المعاملة، نحو ما في البحار[1] من أن النجاشي ملك الحبشة - بعدما تشرف بالإسلام - أو الملك المقوقس في مصر - بعث إلى النبي صلى الله عليه وآله بهدايا كما بعث إليه مارية القبطية أم إبراهيم وثياباً وطيباً وفرساً، بتقريب أن إرسال مارية ضمن سياق الهدية يدل على أنها كانت هبة معاطاتية، ونحو ما في الوسائل [2] (بسند معتبر عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالت زوجني، فقال رسول الله من لهذه؟ فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله زوجنيها، فقال صلى الله عليه وآله ما تعطيها؟ فقال ما لي شيء، فأعادت فأعاد رسول الله صلى الله عليه وآله الكلام فلم يقم أحد غير الرجل، ثم أعادت فقال رسول الله صلى الله عليه وآله في المرة الثالثة: أتحسن من القرآن شيئاً، قال: نعم، قال صلى الله عليه وآله: قد زوجتكها على ما تحسن من القرآن فعلمها إياه)، بتقريب ظهورها في تقدم القبول على الإيجاب بفاصل زمني معتد به.
ولكن يلاحظ على الاستدلال بهذه الروايات أنه استدلال بفعل خارجي، والفعل محتمل لوجوه: منها عدم كونه من باب العقد المؤلف من إيجاب وقبول. نعم، لو كانت سيرة محفوفة بمرتكز عقلائي على العقدية - كما مضى في المعاملات المعاطاتية - لصح الاستناد له.
تعقيب في ذكر بعض تفاصيل المسألة: وهو أن العقد بعد المفروغية عن تقومه بالإرادة بمعنى الاعتبار، كالبيع مثلاً فإنه متقوم باعتبار البائع ملكية المبيع للمشتري بإزاء ملكيته للثمن، فإن فيه صورتين:
الصورة الأولى: فرض العلم ببقاء الإرادة - أي اعتبار الملكية - إلى حين حصول القبول.
الصورة الثانية: فرض الشك في ذلك، كأن يشك المشتري حين القبول في بقاء الاعتبار الذي صدر من البائع إلى حين قبوله.
أما في فرض الشك في بقاء الاعتبار فإنه لا يجري استصحاب بقاء الاعتبار، فإن استصحاب بقاء الاعتبار من قبل البائع إلى حين قبول المشتري لا يثبت تحقق العقد، أي لا يثبت تحقق العلقة الوضعية وهي المبادلة في الملكية إلا بناءً على الأصل المثبت، بل الجاري استصحاب عدم حصول الملكية، أي عدم حصول المبادلة بين ملكية المبيع وملكية الثمن، وأما في فرض إحراز بقاء اعتبار ملكية من حين صدور الإيجاب إلى حين صدور القبول من المشتري.
فهناك فروض ثلاثة:
الفرض الأول: أن يكون المعتبر من قبل البائع الملكية عند صدور القبول بالحد المتعارف لصدور القبول، كما لو فرض ان الحد المتعارف لصدور القبول يوم مثلاً أو يومان، فما أنشأه البائع هو اعتبار الملكية عند حصول القبول من قبل المشتري في إطار الحد المتعارف لصدور القبول.
ففي هذا الفرض لو تأخر قبول المشتري عن الحد المتعارف لم يتحقق البيع، لا لأنه يعتبر الموالاة بين الإيجاب والقبول بل لانتفاء الاعتبار، حيث إن اعتبار الملكية كان مقيداً بالقبول ضمن الحد المتعارف، وحيث لم يحصل القبول إلا بعد ذهاب الحد المتعارف للقبول لم يبق اعتبار للملكية كي يلتئم الإيجاب والقبول.
الفرض الثاني: أن يكون المعتبر هو الملكية على نحو العموم الاستغراقي، بمعنى أن البائع يعتبر الملكية متى قبل المشتري في أي سنة، وأثره أنه متى حصل قبول المشتري ولو بعد سنين التئم الإيجاب بالقبول وتحقق عنوان العقد، لأن المعتبر من الأساس هو الملكية متى قبل المشتري ولو بعد سنين، كأن يصرح البائع بذلك فيقول: (اعتبرت ملكية المبيع للمشتري بإزاء ملكيتي للثمن متى صدر منه القبول ولو بعد سنين)، ولا إشكال في صحة العقد، إلا أن يقال باعتبار الموالاة بين الإيجاب مطلقاً تعبدا وهو مما لا وجه له.
الفرض الثالث: ما إذا اعتبر البائع الملكية للمشتري على نحو الإطلاق لا على نحو العموم الاستغراقي ولا على نحو التقييد بالحد المتعارف، كما لو قال:(بعت الكتاب لزيد عند قبوله) أي اعتبرت للمشتري ملكية الكتاب على نحو اللابشرط من جهة الزمن.
وفيه حالات ثلاث:
الحالة الأولى: أن يحصل الإيجاب من البائع والقبول من المشتري متقارنين في الزمن أو متقاربين، لكن لم يعلم أحدهما بإنشاء الآخر حتى ماتا أو مات أحدهما، ثم علم الوارث أو الولي أن القبول والإيجاب وقع في زمان واحد، أوفي زمن متقارب، كما لو أن البائع قال: (بعت هذا الكتاب لزيد إن قبل) وهو لا يعلم بقبول زيد، وزيد قال: (اشتريت الكتاب الفلاني من بكر إذا أوجب البيع لي )، ولم يعلم أحدهما بإنشاء الآخر حتى ماتا أو خرجا عن أهلية البيع، ثم علم الوارث أو الولي أن الإيجاب والقبول وقع متقارنين أو متقاربين، فهل يعتبر ما صدر منهما عقداً وبيعاً؟
والتحقيق أنه: إن قلنا بأن العقد عنوان للمعنى - أي عنوان للمبادلة في الملكية، أو للمبادلة بشرط أي مبرز كان - فالعقد قد حصل ويترتب عليه أثره وإن لم يعلم أحدهما بالآخر، إذ العلم ليس شرطاً في تحقق العنوان.
وأما إذا قلنا بأن العقد والبيع عنوان للمبادلة بشرط أن يكون المبرز مصداقاً للتوافق، بحيث لا يصدق عنوان العقد على المعاملة إلا إذا صدق عليها توافق من قبلهما على إيجاد المبادلة، فمن الواضح أنه مع عدم علم أحدهما بالآخر لا يصدق عنوان التوافق، ولا يترتب على الاعتبار المذكور آثاره.
الحالة الثانية: أن يصدر الإيجاب من البائع والقبول من المشتري ولم يعلم المتأخر منهما بإيجاب الأول إلا بعد مدة، كما لو قال البائع: (بعت الكتاب من زيد إن قبل) وقال زيد: (اشتريت الكتاب من بكر إن أوجب البيع) وبعد مدة علم المشتري بأن بكراً أوجب البيع مع جهله به حين قبوله، فهنا إن أجاز المشتري قبوله السابق أو فرضنا أن القبول تقدم على الإيجاب ثم علم البائع بإيجابه فأجاز تحقق عنوان التوافق، إذ لا يشترط في تحقق عنوان التوافق أن يكونا حال صدور الإيجاب والقبول، بل متى علم أحد الطرفين بالمعاملة فأمضاها وأجازها تحقق عنوان التوافق فتحقق العقد.
وأما إذا لم يمضها، فإن قلنا إن العقد اسم للمبادلة بشرط أي مبرز فقد حصلت المبادلة ويترتب عليها الأثر، وإن قلنا بأن العقد اسم للمبادلة بشرط كون المبرز مظهراً للتوافق فيعتبر في صدق التوافق أن يحرز المشتري حين قبوله أو حين إمضاء قبوله بقاء اعتبار البائع، فإذا لم يحصل ذلك لم يحصل عنوان التوافق كي يكون مصداقاً للعقد.
الحالة الثالثة - وهي محل البحث -: ما إذا صدر الإيجاب والقبول منفصلين، كما لو صدر الإيجاب قبل القبول بأشهر، وكان المشتري حين قبوله بعد ستة أشهر محرزاً بقاء اعتبار البائع إلى يوم قبوله، فصدق على قبوله عنوان التوافق لعلمه ببقاء الاعتبار وإيجاب البائع.
وهنا فصل بعض الأعلام[3] في هذه الصورة بين وجود المبرز فلا يضر الفاصل الزمني وعدم وجوده فيكون مانعاً من صدق العقد وقال: (أقول: بالإمكان أن يقال: إنّ العقد وإن لم يكن من مقولة الألفاظ وإنّما هو من مقولة الإرادة الباطنية بشرط الإبراز لكن الإنشاء اللفظي لا يبرز الإرادة في الحالات الاعتيادية إلّا بلحاظ فترة قصيرة من الزمن فمن قال لصاحبه: بعتك هذه العين بكذا وصاحبه لم يبرز القبول إلّا بعد عدة أيام مثلا فإيجاب الموجب ليس مبرزاً لبقاء إرادة البيع إلى حين قبول القابل فلو تمّ البيع بهذا الشكل فقد تمّ على أساس إرادة باطنية بحتة بلا إبراز، فشرط الموالاة في الحقيقة يكون على أساس دخلها في تمامية الإبراز الذي هو شرط في العقود بلا إشكال، ومجرّد استصحاب بقاء الإرادة الباطنية لا يكفي لأنّ نفس الإبراز له الموضوعية في تمامية العقد وما دام الإيجاب السابق قاصراً عرفاً عن الإبراز بلحاظ الزمان المتأخّر إذن نحتاج إلى إبراز جديد.
نعم، في الموارد التي يكون الإبراز السابق إلّا بلحاظ بعض المناسبات والقرائن على استمرار الإرادة لحين لحوق القبول نلتزم بصحّة العقد كما في مثال البيع من مكان بعيد بواسطة إرسال رسالة كتبية أو شفهية أو بواسطة البرقية، أو الهبة المعاطاتية التي تتمّ من شخص إلى شخص متباعدين مكانا بواسطة مسافر يأتي بالعين من الواهب إلى الموهوب له وما شابه ذلك حيث انّ القرينة قائمة هنا ان مقصود الموجب عادة هو الاستمرار في إرادته والتزامه لحين وصول الرسالة أو البرقية أو الرسول إلى صاحبه.
وإن شئت فعبّر بأنّ الموالاة في كل شيء بحسبه فالموالاة المعتبرة في مثل البيع أو الهبة بواسطة الرسالة أو البرقية أو الرسول ليست بمعنى المنع عن الفاصل الزمني الذي يتطلّبه سفر الرسول أو بلوغ الرسالة أو البرقية وإنّما هي بمعنى المنع عن الفصل الطويل من بعد وصول الرسول أو الرسالة أو البرقية.
وبكلمة دقيقة ليست الموالاة في الحقيقة شرطاً وليس في المقام شيء عدا نفس الركن الثاني من أركان العقد وهو إبراز الإرادة والإخلال بالموالاة قد يوجب الاخلال بهذا الإبراز.).
ولكن يلاحظ على هذا التفصيل: أن منشأ الإشكال في صدق البيع في حال حصول الفصل المعتد به بين الإيجاب والقبول اللفظيين غير الكتبيين هل هو عدم دلالة المبرز الذي حصل حين الإيجاب على استمرار الاعتبار إلى حين القبول؟ أو أن المنشأ لعدم صدق العقد عدم بقاء المبرز إلى حين حصول القبول؟ أو أن المشكلة هي عدم الموالاة؟
فإن كان المنظور هو الأول أي أن منشأ الإشكال أن الإيجاب الذي حصل قبل سنة ليس دالاً على بقاء الاعتبار إلى حين حصول القبول، فالمفقود هو الدليل على بقاء الاعتبار إلى حين حصول القبول، فهذا ممنوع إذ المنشأ- كما سبق - على حالات ثلاث:
1- أن يعتبر الملكية معلقة على القبول بالحد المتعارف.
2- أن يعتبر الملكية معلقة على القبول على نحو العموم الاستغراقي.
3- أن يعتبر الملكية معلقة على القبول على نحو اللابشرط من حيث الزمان.
ومحل الكلام هو الحالة الثالثة، وبما أن الموجب حين إنشائه اعتبر الملكية عند تحقق القبول ولم يقيده بزمن، فنفس هذا إنشاء الإيجاب دال على استمرار الاعتبار بالإطلاق، فإن مقتضى عدم التقييد انعقاد الإطلاق، ومقتضى انعقاد الإطلاق دلالة الإيجاب الصادر من البائع حين إيجابه على استمرار إرادته واعتباره إلى حين حصول القبول من المشتري.
وإن كان المنشأ لذلك فقد المبرز، كالكتابة والبرقية وإن أحرز بقاء الاعتبار، فلا شاهد لا من عرف ولا شرع على اعتبار بقاء المبرز إلى حين القبول حتى مع إحراز الاعتبار بالوجدان أو الأمارة، إذ المفروض أن العقد جامع لأركانه، وهي الإنشاء الحاصل من الموجب الدال على بقاء الاعتبار بالإطلاق، وبقاء المنشأ في وعاء الاعتبار لعدم رفع الموجب يده عنه وحصول القبول من المشتري محرزاً بقاء الاعتبار حين قبوله.
فمع تحقق أركان العقد لا معنى للتشكيك في صدق عنوانه، إلا أن يقال إن الموالاة معتبرة بحرفيتها، ولم تحصل، وقد فرض في التفصيل عدم القول به.
فتلخّص: أن ما ذكره جمع من الأعلام قدس سرهم من عدم اعتبار الموالاة بين الإيجاب والقبول من دون تفصيل هو الصحيح.