47/11/01
الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر/
التنبيه العاشر في أنَّ الضرر الوارد في أدلة القاعدة هو الضرر الشخصي لا الضرر النوعي.
المراد بالضرر النوعي هو الضرر الذي يترتب بالنسبة الى غالب المكلفين وإن لم يترتب على خصوص من تجري في حقه القاعدة، فيقال أنَّ الحكم يرتفع حتى بالنسبة الى الشخص الذي لا يتضرر منه، فإذا فرضنا أنَّ وجوب الغسل بالماء البارد في فصل الشتاء ضرري بالنسبة الى غالب الأفراد فهذا الحكم يرتفع حتى بالنسبة الى من لا يتضرر منه أصلاً كما لو كان معتاداً على الغسل بالماء البارد.
وهناك ضرر نوعي من نحو آخر يلاحظ فيه نفس الفعل، كما لو كان الضرر مترتباً على غالب أفراد الفعل، كما في حق الشفعة، فإن الضرر لا يترتب دائماً على بيع الشريك حصته المشاعة، فقد يترتب الضرر في بعض الحالات وقد لا يترتب في حالات أخرى، كما لو كان الشريك البائع مؤذياً لشريكه، وكان المشتري لحصته محسناً ومنسجماً مع الشريك، فهذا ضرر نوعي بلحاظ غالب الأفراد ويكون موجباً لثبوت حق الشفعة للشريك وإن لم يتضرر من بيع الشريك لحصته.
وأما الضرر الشخصي فيراد منه الضرر الفعلي المترتب على الحكم الوارد على شخص المكلف، فوجوب الغسل يرتفع إذا كان هذا الشخص يتضرر منه وإلا فلا يرتفع عنه، وكذا الكلام في حق الشفعة فمن يتضرر من بيع الشريك لحصته المشاعة يثبت له حق الشفعة، ومن لا يتضرر لا يثبت له هذا الحق.
وتظهر الثمرة فيما إذا فرضنا عدم تضرر مكلف ما من الحكم، فلا يرتفع عنه الحكم بناءً على الضرر الشخصي، ويرتفع عنه الحكم بناءً على الضرر النوعي.
فهل الضرر الوارد في الحديث هو الضرر الشخصي أم الضرر النوعي؟ أو يقال بالتفصيل بين العبادات فيكون الضرر شخصياً وبين المعاملات فيكون الضرر نوعياً؟
ذهب الشيخ الأنصاري وجماعة منهم المحقق النائيني والمحقق العراقي والسيد الخوئي الى أنَّ الضرر شخصي وليس نوعياً، فلا يرتفع الحكم إذا لم يتضرر منه الشخص.
والظاهر أنَّ هذا هو الصحيح، والذي يدل عليه هو أنَّ (الضرر) في القاعدة عنوان كلي ذكره الشارع ورتَّب عليه الحكم، ولا إشكال في أنَّ الحكم المرتَّب على عنوان كلي لا يثبت إلا إذا تحقق الموضوع خارجاً، فإذا نشأ من الحكم بوجوب الغسل ضرر على هذا المكلف فيمكن رفعه عنه بالقاعدة، وأما إذا فُرض عدم تضرره من الحكم فهذا يعني أنَّ موضوع الحكم - وهو الضرر - غير متحقق.
وبعبارة أخرى: لفظ (الضرر) كسائر الألفاظ التي تؤخذ في الأدلة موضوعاً للأحكام الشرعية يكون ظاهراً في الفعلية، فإذا قيل: المرض يبيح الإفطار، والسفر يوجب القصر، فُهمَ منه فعلية المرض والسفر، فإذا كان المكلف مريضاً بالفعل اُبيح له الإفطار، وإذا كان مسافراً فعلاً وجب عليه القصر، والضرر من هذا القبيل فإذا كان الشخص متضرراً من حكمٍ ارتفع عنه الحكم، فلابد أن يكون الضرر في الحديث شخصياً.
ويظهر من تقريرات المحقق النائيني في قاعدة (لا ضرر) أنه استدل بدليل آخر، حاصله:
أنَّ الحديث وارد مورد الامتنان، وأنه حاكم على أدلة الأحكام الأولية، وهذان دليلان على أنَّ الضرر شخصي لا نوعي.
أما الأول - أي الامتنان - فليس واضحاً أنه يقتضي ذلك، ألا يمكن تتحقق الامتنان مع فرض الضرر النوعي؟ فيقال إنَّ الحكم الشرعي إذا كان فيه ضرر على نوع المكلفين فيرفعه الشارع إمتناناً على العباد، هذا على تسليم نكتة الامتنان، وتقدمت المناقشة فيها.
وأما الثاني - أي الحكومة - فهي مُسلَّمة لكن الكلام في الاستدلال بها على أنَّ الضرر شخصي، ولعله يقصد أنَّ الحكومة إنما تتم في فرض الضرر الشخصي، فإذا فرضنا أنَّ وجوب الغسل كان موجباً لتضرر الشخص فحينئذ يكون الحديث رافعاً للحكم الذي أوجب الضرر، وأما إذا لم يكن الحكم موجباً لتضرر هذا الشخص وإنما يوجب تضرر غيره فهنا لا معنى للحكومة، لأنَّ المفروض أنَّ الحكم بوجوب الغسل بالنسبة الى هذا الشخص لا يترتب عليه الضرر فلا معنى لرفع الحديث هذا الحكم، ومن هنا تكون الحكومة قرينة على أنَّ الضرر في الحديث هو الضرر الشخصي.
وفيه: لا محذور في افتراض حكومة الحديث على أدلة الأحكام الأولية إذا كان يترتب عليها ضرر نوعي، فكل حكم ينشأ منه الضرر النوعي يكون مرفوعاً بحديث (لا ضرر).
والحاصل: لا محذور في ذلك لأنَّ نفي الضرر في الحديث يراد به نفي الحكم الذي ينشأ منه الضرر ولا محذور في افتراض أنَّ المنفي هو الحكم الذي ينشأ منه الضرر النوعي.
والصحيح هو ما تقدم من استظهار أنَّ الضرر في الحديث ظاهر في الفعلية.
وأما التفصيل بين العبادات وبين المعاملات فذكروا أنَّه يمكن أن يكون منشأ هذا التفصيل هو ذهاب الفقهاء الى التمسك بالقاعدة لإثبات خيار الغبن في المعاملة الغبنية، كما تمسكوا بها لإثبات حق الشفعة في موارد بيع الشريك لحصته المشاعة، وقالوا وهذا لا ينسجم مع كون الضرر شخصياً، وذلك لأنَّ خيار الغبن لا يُعطى للمغبون مع افتراض تضرره، بل يثبت له ولو مع عدم الضرر، كما إذا فرضنا أنه اشترى ما قيمته مائة دينار بمليون، ثم ارتفع سعرها الى أزيد من ذلك، فهنا لم يتحقق الضرر الشخصي مع ثبوت خيار الغبن له، وهذا شاهد على أنَّ الضرر في المعاملات لابد أن يكون نوعياً، ونحو ذلك يقال في حق الشفعة، وتقدم مثاله.
لكن الصحيح أنَّ ذلك ليس من جهة التمسك بالقاعدة وإنما التزم الفقهاء بذلك للنصوص الخاصة الواردة في خيار الغبن وفي حق الشفعة.