« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ هادي آل راضي
بحث الأصول

47/08/20

بسم الله الرحمن الرحيم



الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر

انتهينا الى أنَّ منع المالك من حفر البالوعة في داره إذا كان ضرراً عليه جاز له التصرف، وأنَّ قاعدة (لا ضرر) لا تجري لنفي الجواز وإثبات التحريم لأنها معارضة بجريانها في الحرمة، التي هي ضررية بالنسبة الى المالك بحسب الفرض، وحينئذٍ يُرجع الى إما عموم السلطنة على فرض الإطلاق فيها وإما الى الأصول المؤمِّنة.

وإذا لم يكن التصرف ضررياً على المالك فيحرم عليه وتجري القاعدة لنفي الجواز فقط لأنه ضرر على الجار، ولا تجري القاعدة لنفي الحرمة لعدم كونها ضررية على المالك بحسب الفرض.

قد يقال: لا موجب لفرض التعارض بحسب هذا الوجه، وإنما هناك قصور في مقتضي القاعدة عن الشمول لهذه الحالة، وهذا مبني على كون القاعدة إمتنانية، فلا تجري عندما يكون جريانها على خلاف الامتنان، وحيث أنَّ جريانها لنفي الجواز وإثبات التحريم على خلاف الامتنان بالنسبة الى المالك، كما أنَّ جريانها لنفي التحريم وإثبات الجواز على خلاف الامتنان بالنسبة الى الجار فلا تجري أصلاً من جهة قصور المقتضي لا من جهة المعارضة.

والجواب: المعروف هو أنَّ القاعدة إمتنانية، ولكن يمكن التأمل فيه باعتبار أنَّ مفاد القاعدة هو الإخبار عن نفي الأحكام الضررية في الشريعة، ولا امتنان في هذا المفاد، وإنما يكون الامتنان عند افتراض وجود مقتضي الحكم ومع ذلك يرفعه الشارع، أو أنَّ يكون لسان الدليل مشعراً بالامتنان من قبيل حديث الرفع.

وعلى كل حال النتيجة واحدة في محل الكلام.

وقد يقال: إنَّ جواز التصرف غير ثابت لأنه مبني على إطلاق دليل السلطنة الشامل لصورة الإضرار بالغير، وأما مع عدم الاطلاق فلا يثبت الجواز، فتجري القاعدة لنفي الحرمة فقط ويثبت جواز التصرف من دون معارضة.

فإن قيل: سلمنا عدم وجود الاطلاق في دليل السلطنة وعدم ثبوت الجواز، وبالرغم منه يمكن دعوى وجود المعارضة بأن يقال إنَّ تحريم التصرف حكم ضرري بالنسبة الى المالك، وعدم التحريم حكم ضرري بالنسبة الجار، ولا يمكن شمول القاعدة لهما، ولا مرجح لأحدهما، فيقع التعارض بينهما، وهذا مبني على شمول القاعدة للأحكام الثبوتية والعدمية.

وعليه لا يعقل جريان (لا ضرر) لنفي الحرمة لأنه معارض بجريانها في عدم الحرمة، وعليه فلا مانع من التمسك بدليل حرمة الإضرار بالغير لإثبات الحرمة بعد الفراغ عن عدم حكومة القاعدة عليه.

ويؤيد ذلك بأنَّ المفهوم من قاعدة (لا ضرر) هو نفي الضرر في الخارج، فلا يُعقل جريانها في مورد يلزم منه ترتب الضرر في الخارج! فحرمة التصرف تكون ثابتة بدليلها، ولا تجري القاعدة لنفي الجواز لترتب الضرر على المالك.

ثم إنَّ الغرض مما تقدم ليس هو إثبات الحرمة بالقاعدة، وإنما هو إثبات أنَّ دليل الحرمة لا حاكم عليه، فيصح التمسك به لإثبات الحرمة.

والحاصل: أنَّ (لا ضرر) لا يمكن أن تشمل حرمة التصرف وعدمها، وهذا معناه أنَّ (لا ضرر) لا يصلح للحكومة على دليل الحرمة، فيبقى دليل الحرمة بلا حاكم عليه فيتعين الرجوع إليه وإثبات الحرمة.

هذا كله إذا منعنا من إطلاق دليل السلطنة، وأما إذا قبلنا الاطلاق فيثبت جواز التصرف في المقام ويجري ما تقدم من التعارض، لأنَّ السلطنة وجواز التصرف ضرري على الجار كما أنَّ الحرمة والمنع ضرري على المالك فيتعارض الضرران ويتساقطان، أي لا تجري القاعدة في كلٍ من الحرمة والجواز، ويُرجع الى عموم قاعدة السلطنة أو الى الأصول العملية ويثبت الجواز.

نعم قد يقال بالحرمة في هذا الفرض - أي على القول بإطلاق دليل السلطنة - وذلك لأنَّ ما ثبت بإطلاق دليل السلطنة هو جواز التصرف في ماله، وهو حكم اقتضائي مفاده أنَّ حفر البالوعة في داره فيه اقتضاء الجواز، وهذا لا ينافي الدليل الدال على حرمته باعتباره إضراراً بالغير، نظير الدليل الدال على حلية أكل الجبن مثلاً فإنَّ مفاده الجواز الحيثي، أي الجواز من حيث كونه أكل جبن، فلا ينافي ما دلَّ على حرمته من حيث الغصبية ونحوها، وعليه يمكن الالتزام بجواز هذا التصرف بما هو تصرف في ماله تمسكاً بإطلاق دليل السلطنة، والالتزام في نفس الوقت بحرمته باعتباره إضراراً بالغير.

والتعليق عليه: بأنه إنما يتم إذا قلنا بأنَّ إطلاق دليل السلطنة يقتضي جواز التصرف في ماله فقط، وأما إذا قلنا بأنه يقتضي جواز التصرف في ماله وإن أضرَّ بالغير فيشكل إثبات الحرمة.

هذا كله في الحكم التكليفي، وأما الحكم الوضعي فلا إشكال في الضمان في الضرر المالي حتى إذا قلنا بجواز التصرف، لعدم التنافي بين جواز تصرفه تكليفاً وبين الضمان إذا كان تصرفه موجباً لإتلاف مال الغير، لأنَّ مجرد جواز التصرف تكليفاً لا يُخرج الإتلاف عن كونه موضوعاً لأدلة الضمان.

لا يقال: الضمان ضرر على المالك فيُنفي بالقاعدة.

لأنه يقال: إنَّ الحكم بالضمان مبني على الضرر ولا تشمله القاعدة كسائر الأحكام الضررية كالجهاد، وإنما تشمل الأحكام غير المبنية على الضرر.

والحكم بالضمان واضح إذا أدى تصرف المالك الى نقص في مال الغير سواء كان النقص في العين أو في الصفة، وإنما الكلام في أنَّ التصرف إذا أدى الى تَنفُّر الطبع من مجاورة البئر للبالوعة - مع افتراض عدم تغير الماء - فهل يُحكم بالضمان أو لا؟

 

logo