45/11/02
/ آيات الحج/فقه القرآن
الموضوع: فقه القرآن/ آيات الحج/
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾[1] .
بصائر نستلهمها من هذه الآيات الكريمة:
البصيرة الأولى: الإسلام سبيل الخلاص للبشرية
إذا حصل خلاف بين أبناءك، وحاولت أن تصلح بينهم فلابد أن تبذل بعض الجهود، وربما تتعب كثيراً لتصل إلى نتيجة، ذلك لأن لكل واحد منهم شخصية تختلف عن الآخر.
هكذا الأمر أيضاً إذا هبت رياح الفتنة بين أبناء الأمة الواحدة، وإذا بهم يتقاتلون فيما بينهم، ومعالجة ذلك الخلاف عبر الإصلاح بينهم يكون أصعب بالتأكيد، ولعل صعوبته وأهميته جعلته أفضل من الصلاة والصيام في تشريعنا الإسلامي، كما ورد في الحديث الشريف: إصلاح ذات البيت أفضل من الصلاة والصيام عامة، فكل الصلاة والصيام بكفة، وإصلاح ذات البيت بكفة أخرى.
ولنتصور ماذا تعاني البشرية اليوم من ويلات وخلافات وتكديس لأسلحة الدمار الشامل التي لو استخدمت ما ندري كيف يكون مصير أهل الأرض، وغير ذلك من صراعات اقتصادية وسياسية واجتماعية.
فاين يكمن جذر هذه المشاكل؟
حينما أهبط الله أدم إلى وزوجته حواء إلى الأرض ومعهم الشيطان فإنه قال لهم: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾[2] ، وهنا بيان لفتنة الإنسان مع الشيطان، وفي آية أخرى يبين الله تعالى فتنة الناس ببعضهم البعض إذ يقول تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾[3] ، فالفتنة بين الناس ليست أقل خطورة من فتنة الدنيا وفتنة إبليس، فالعصبيات المختلفة التي أضرت بالبشرية ربما هي أكثر من كل الأمراض التي فتكت بهم، والكوارث الطبيعية كالفيضانات والزلازل وما أشبه، فأصل المشكلة يكمن ها هنا من افتتان الناس فيما بينهم وتمزقهم عن بعضهم البعض.
وهنا تظهر لنا أهمية الإسلام وأهمية الدين في معالجة هذه المشكلة الحادة التي تتسبب بالعديد من المشاكل، فدين الإسلام وحده استطاع أن يلملم شتات الناس ابتداء من الجزيرة العربية الذين كانوا حسب تعبير الإمام علي عليه السلام: (شعارهم الخوف ودثارهم السيف)، فكانت حياتهم مليئة بالحروب والإغارة والقتل والدمار. وانتهاءً بجمع شعبين كبيرين في المنطقة وهما الرومان والفرس، والعديد من المناطق الأخرى ما بينهما، فقام الإسلام بتذويب تلك الخلافات الكبيرة في بوتقة واحدة، حتى أوصلهم إلى خير أمة كما تعبر الآية الكريمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾[4] .
وإذا درسنا التاريخ الإسلامي ومجمل أحكام الإسلام نجد أن السر في ذلك النجاح وتلك الوحدة إنما يعود لوحدة القيم، حيث كان المؤمن أخو المؤمن يضحي من أجله ويؤثره على نفسه بكل ما عنده وإن كان ثميناً ليجسد أرقى درجات التضحية، وقد وصف الله تعالى هذه الحالة في الآية الكريمة قائلاً: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾[5] .
بينما اليوم نجد أن القيم الإسلامية انحسرت في حين تسلطت القيم الغربية وإذا بها تهدد البشرية بالفناء، فهذه غزة نجد فيها مليون إنسان مهددين بالإبادة، وفي السودان بسبب الحرب التي أشعلوها نجد أيضاً مليون انسان مهددين بالمجاعة والموت، والمليون نسمة رقم هائل جداً. وهكذا غيرها من المشاكل الخفية التي نراها هنا وهناك، وهي كلها بسبب انحسار نور الإسلام.
فعلى الرغم ذلك إلا أننا لا زلنا نرى أن شعلة الإسلام التي أوقدها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله لا زالت متقدة بالنفوس ونورها حاضر في الناس، والحج أحد مظاهر تلك الأمة الإسلامية بما فيه من تجليات الوحدة والقيم الإلهية، والتي تبشر بحياة مطمئنة للبشرية بعيدة عن الفساد والدمار.
البصيرة الثانية: ماذا تعني عرفات؟
الكلمة جاءت بصيغة الجمع وليس المفرد، ولعلها جمع لكلمة عرفة، في حين يرى البعض أنها اسم، وهناك بحث بين الفقهاء حول معنى كلمة (عرفات)، فهل معناها تعرف آدم على حواء بعد هبوطهما إلى الأرض إذ هبط كل واحد منهما بمكان فالتقيا في هذه المنطقة؟ أم أن جبرائيل لما علّم إبراهيم عليه السلام مناسك الحج فإن إبراهيم كان يقول: عرفت عرفت. أم أن الناس يتعارفون إلى بعضهم البعض، أو أنهم يعرفون ربهم؟
الحقيقة التي نستظهرها من هذه الكلمة وكلمات مشابهة في القرآن الكريم، والقرآن يشير في كلماته إلى ما هو أعم من المصاديق، لأنه كتاب شامل، فمن كلمة عرفان وعرفة ومعرفة نفهم أن مشكلة الإنسان الجهل، فإذا عرف الحقيقة اختلفت عنده الأمور، فإذا عرف نفسه وعرف قدره حينها يكون قادراً على تجاوز العصبيات والأنانيات والذاتيات الضيقة، وكذلك حينما يعرف قدر الدين فإنه يتجاوز أهوائه.
وأهم من ذلك كله معرفة الله سبحانه، لأنها أصل كل معرفة، وكما ورد في الحديث الشريف: (أول الدين معرفته)، ثم كل شيء ينطلق من معرفة الرب سبحانه، فإذا عرف الإنسان ربه عرف نفسه، وعرف الآخرين، وعرف الحياة، وهكذا إلى سائر المعارف الأخرى، وفي عرفات يعرف الإنسان ربه.
كيف يعرف الإنسان ربه في وادي عرفات؟
في ذلك الوادي تتساقط الحجب بين الإنسان وبين ربه، وإذا بمظهره وملبسه كمظهر الآخرين وملبسهم بلا فرق عنهم، والغرور والمسميات والمقامات كلها تسقط فالجميع سواسية في صحراء واحدة، وهكذا سائر الأمور التي تحجب الناس عن الرب سبحانه تتساقط جميعها هناك، فخلال تلك اللحظات ينظر الإنسان إلى نفسه من أنا؟ ليس لي ثوب أفتخر به..! ولا أحد يراني بعين الاعتبار..! فلا يبقى آنذاك إلا مقام العبودية المطلقة لله تعالى، وهي أعلى وسام يحصل الإنسان عليه، ونحن إذ نشهد للنبي صلى الله عليه وآله فنقول: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ولعل العبودية هي المقام الأعظم من مقام الرسالة، ومكة المكرمة بوجه عام هي مظهر جلي من مظاهر العبودية وتهذيب الناس على ذلك، كما وهي لقطة من لقطات القيامة.
ثم عندما يقرأ الأدعية المأثورة في عرفات والتي فيها الكثير من المعارف فإنه يزداد معرفة وكشفاً لحجب الغفلة والجهل التي تحيط به.
وهذه الشعيرة الإلهية من جهة أخرى تسلخ كل الفتن ووساوس الشيطان ومحاولات الأعداء لتجعل النفوس صافية ومتحدة مع بعضها البعض، فيكون الناس متحدين فيما بينهم عند الصراعات والتحديات التي تعصف بهم كأمة إسلامية، ولا غرابة من وحدة المسلمين التي تظهر في مختلف الأحداث، وإن كان الأعداء يستغربون منها، فإنهم وإن عملوا لأكثر من مائتي عام على تمزيق هذه الأمة ولكنهم بين الفينة والأخرى يرون أبناء هذه الأمة في المواقف المختلفة ومن أماكن متباعدة يتناصرون فيما بينهم، فأين اليمن تتظاهر لأجل غزة؟ فما الربط بينهما؟ ولا تفسير آخر غير هذا.
توصيتان حول شعيرة الحج
لأن الحج يشكل محورية أساسية في أمتنا الإسلامية فيقع على عاتق العلماء والخطباء والمرشين أن يقوموا بدور مهم للغاية والذي يتمثل بالتالي:
1. تنبيه الناس إلى روح الحج المتمثلة بمختلف الحكم الإلهية التي مر بيانها وأهمها قيمة الوحدة للأمة الإسلامية، ولا يكن التركيز على تفاصيل الأحكام في الحج وننسى ما هو أهم منها، ولابد من الاهتمام بهما على حد سواء بلا إفراط ولا تفريط، حيث الاهتمام بالحكمة والحدود، وما الحدود إلا طريقاً للحكمة غالباً.
2. الاستفادة من الأوقات ما قبل الحج وما بعده لتوجيه الناس إلى أهميته والاعتناء ببعض المراسيم من التوديع والاستقبال، ليشعر الناس بحلاوة هذه الفريضة الإلهية وآثارها على صاحبها وعلى الناس بوجه عام أيضاً.
البصيرة الثالثة: بصيرة التعادل في الإسلام
الإسلام ليس دين الرهبنة، ولا دين المادية المطلقة، إنما هو دين الوسطية، وربنا سبحانه يقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾[6] ، ولذلك نجد بداية الآيات الكريمة التي توجنا بها البحث عن ابتغاء فضل الله إذ يقول تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾، فأول شيء ابتغاء الفضل من الله تعالى، ثم الحديث عن عرفات والإفاضة منها، وفي نهاية الآيات يحدثنا عن الدنيا والآخرة ويبين لنا الرؤية الصحيحة في التعامل معهما، وهذه الرؤية تشكل منهجاً متوازناً في الحياة.
البصيرة الرابعة: أيام التشريق مؤتمر الحجاج
في مواطن عديدة من الحج يلتقي الناس إلى بعضهم البعض، ولكن المؤتمر الأساسي فيه إنما يكون في أيام التشريق، ففي اليوم العاشر ينشغل الناس في أداء المناسك، وفي اليوم الحادي عشر والثاني عشر يفرغون تماماً من الأعمال ليجلسوا ويستريحوا، ولا يوجد في هذا الوقت إلا شيء يسير من الأعمال العبادية، فحتى الصوم محرم لمن كان في منى، والمطلوب منهم أن يلتقوا إلى بعضهم البعض ويتفاوضوا فيما بينهم، فيتعرف الحجاج أولاً إلى بعضهم البعض في الخيمة الواحدة، لينسجم كل واحد منهم مع اخوانه بشكل أكبر، ثم يذهب إلى مكان رمي الجمار ليرى الناس هناك، وهكذا في الأماكن الأخرى، ليكون ذلك فرصة للتفاوض بينه وبين الآخرين، وهذا البعد الأول من المؤتمر.
أما البعد الثاني فمرتبط بالشخص نفسه، فبعد أن تطهر الإنسان في عرفات، واستغفر ربه في المشعر الحرام، وتخرج من مدرسة الحج الكبرى، بعد ذلك كله حينما يدرك أيام التشريق فإنه شاء أم أبى يبدأ بإعادة حساباته، فيبدأ بالتفكير والتأمل إذ أنه بدأ بحياة جديدة، ففي ملكوت السماوات غفرت ذنوبه، أما في الأرض فهو للتو قد تخرج من دورة عبادية مركزة، كمن يتخرج من دورة عسكرية صعبة للغاية، وإذا به يخرج بشخصية جديدة تختلف عن شخصيته التي كان عليها، فينطلق بموجة من التفكير.
يفكر في دنياه وفي عقباه، ويفكر ماذا بعد العودة؟ فإن كان عالماً من العلماء يسأل نفسه: هل قمت بدوري كما هو مطلوب مني أم قصرت؟ وهكذا الخطيب، وهكذا المؤلف والكاتب، وكذلك التاجر يسأل نفسه ذات السؤال ليعيد حساباته من جديد.
ولكن القرآن الكريم ها هنا يوجه بضرورة ذكر الله تعالى، فكلما ارتفع الإنسان إلى معرفة الله ومعرفة سننه ومعرفة أسمائه الحسنى كلما تلاشت أمام عينيه سائر المؤثرات الدنيوية من الشهوات والعلاقات والاعتبارات المزيفة، فيقل ارتباطه بالدنيا ويقوى مع الله تعالى.
وموسم الحج إنما هو مظهر عظيم يذكرنا بذلك اليوم الذي سوف يظهر الله تعالى فيه هذا الدين على الدين كله ولو كره المشركون، وعلى الرغم من عظيم المكر الذي يمكر به الأعداء تجاه هذه الأمة إلا أن هذه الروح الصافية لا تزال تنمو وتتصاعد يوماً بعد يوم، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾[7] .