< قائمة الدروس

بحوث خارج الفقه

الأستاذ الشیخ ناجي طالب

35/02/19

بسم الله الرحمن الرحیم

العنوان:الكلام في طهارة ونجاسة الكافر

قال السيد المرتضى في الإنتصار ص 88 : "ومما انفردت به الإمامية : القول بنجاسة سؤر اليهودي والنصراني[1]وكل كافر وخالف جميع الفقهاء في ذلك ... ويدل على صحة ذلك مضافاً إلى إجماع الشيعة عليه قوله جل ثناؤه[ إنما المشركون نجس ] . فإذا قيل : لعلَّ المراد به نجاسة الحكم لا نجاسة العين، قلنا : نحمله على الأمرين، لأنه لا مانع من ذلك . وبعدُ، فإنّ حقيقة هذه اللفظة تقتضي نجاسة العَين في الشريعة، وإنما تُحمل على الحكم تشبيهاً ومجازاً، والحقيقةُ اَولى باللفظ من المجاز . فإن قيل : فقد قال الله جل ثناؤه[ وطعام الذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم ] وهو عموم في جميع ما شربوا وعالجوه بأيديهم، قلنا : يجب تخصيص هذا الظاهر بالدلالة على نجاستهم، ونحمل هذه الآية على أن المراد بها طعامُهم الذي هو الحبوب وما يملكونه دون ما هو سؤر أو ما عالجوه بأجسامهم، على أن في طعام أهل الكتاب ما يغلب على الظن أن فيه خمراً أو لحم خنزير فلا بد من إخراجه من هذا الظاهر، وإذا أخرجناه من هذا الظاهر لأجل النجاسة وكان سؤرهم على ما بيَّنَاه نجساً أخرجناه أيضاً من الظاهر"(إنتهى تمام كلامه) .
قال العلاّمة الطباطبائي في تفسير الآية[2] : "والنهي عن دخول المشركين المسجد الحرام بحسب المتفاهم العرفي يُفيد أمْرَ المؤمنين بمنعهم عن دخول المسجد الحرام، وفي تعليله تعالى منْعَ دخولِهم المسجدَ لكونهم نجساً اعتبارُ نوعٍ من القذارة لهم[3]، كاعتبار نوعٍ من الطهارة والنزاهة للمسجد الحرام، وهي ـ كيف كانت ـ أمرٌ آخر وراء الحكم باجتناب ملاقاتهم بالرطوبة وغير ذلك[4]. والمراد بقوله تعالى[عامهم هذا] سنة تسع من الهجرة، وهي السنة التي أذّن فيها عليّ (عليه السلام) بالبراءة، ومَنَعَ الطوافَ بالبيتِ عرياناً، وحجَّ المشركين البيتَ . وقوله[ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ... ] أي إن خفتم في إجراء هذا الحكم أن ينقطعوا عن الحج وتتعطل أسواقكم فتفتقروا وتعيلوا فلا تخافوا، فسوف يغنيكم الله من فضله ويؤمِنُكم من الفقر الذي تخافون"(إنتهى) .
ومراد العلاّمة هو أنه لا ربط للنجاسة المعنوية ـ المذكورة في الآية ـ بالنجاسة الماديّة، أي أنّ النجاسة الماديّة أمرٌ آخر لا ربط للآية ببيانها، كما لا ربط لحرمة مقاربة المشركين المسجد الحرام بنجاستهم الماديّة، ألا يجوز أن يدخل الشخصُ المتنجس بالدم مثلاً إلى المسجد الحرام ؟!
أقول : ما ذكره العلاّمةُ الطباطبائي صحيح ولا شكّ فيه، إذ لم تتضح إرادةُ معنى النجَس الماديّ من هذه الآية المباركة، بل الظاهر جداً إرادةُ النجَس المعنوي أي النفساني، لا سيّما أنك ستعرف بعد قليل استفاضةَ الروايات الصحيحة السند في طهارة الكتابي وهو مشرك قطعاً، وستعرف أنه لا يصح القول بتخصيص الآية بما عدا الكتابي، فالمرادُ إذَنْ النجاسة المعنوية .
وبتعبيرٍ آخر : أليس اليهود والنصارى مشركين بدليل قوله تعالى[يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الحَقَّ، إِنَّمَا المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ، فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاثَةٌ، اِنتَهُوا خَيْراً لَّكُمْ .. ][5] وقولِه تعالى[ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ، وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ ..][6] وقوله [وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ، ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ، يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ، قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ][7] وهو أعظم مراتب الشرك، ومع ذلك أجاز اللهُ لنا مؤاكلتَهم من نفس الآنية ممّا يعني أنهم طاهرون ذاتاً .
(إضافةً) إلى استعمال لفظة ( نجَس ) في زمان رسول الله (ص) مرّات في معنى النجس المعنوي كما في أقواله (عليه السلام) ( ... فطهّروا نفوسَكم من كل دنس ونجَس ... ) ( ولا يصيبنا نجَسُ الشرك ولا سفاح الكفر ) و ( ونظَّفَ قلبَه من نجاسة الذنوب ) و ( فأزِلْ نجاسةَ ذنوبِك بالتضرّع ... )[8] وروى أنَس عن النبيّ (ص) أنه نهى عن لحوم الحمر وقال ( إنها نجَس )[9] [10] .
ولا أقل من الإجمال فيُرجع إلى أصالة الطهارة .
قال بعضهم : ( ... والمعنى المناسب مع النهي عن الدخول في المسجد الحرام القذارةُ النفسانية، فإنّ المسجد الحرام مهبط الوحي ومحل نزول الآيات الإلهيّة وبيتُ التوحيد فلا يناسبُ أن يدخله عدوُّ الله القائلُ بالشريك له تعالى، وأمّا إدخال النجاسة الخبثيّة في المسجد فلا دليل على حرمته إلاّ أن يوجب الهتك ) .
وقال السيّد القمي في مبانيه : ( ... وبمقتضى الإستصحاب القهقري نحكم بأنّ معنى [نجَس] في زمان رسول الله(ص) كانت النجاسة الماديّة !! ولكن مع ذلك كله لا يمكن الجزم بالمدّعَى لأن المستفاد من الآية الشريفة أن المشرك نجس فلا يقرب المسجد الحرام، ومن الظاهر أن تناسب الحكم والموضوع يقتضي أن يكون المراد بالنجس في الآية الخباثة الذاتية، فإنها تنافي دخول مركز التوحيد ومهبط الوحي والرسالة، وأمّا النجاسة الخبثيّة فلا تنافيه، مضافاً إلى أنه لو كان الخبث بما هو ينافي كونَه في المسجد للزم أن يفصّل بين أنواعه، والحال أن إدخال الأعيان النجسة من البول والدم ولحم الخنزير إلى المسجد الحرام ليس حراماً، فيلزم تخصيص الأكثر، وهو مستهجَن، فتصير الآية مجملة ) إنتهى، وكلامه جيد، إلاّ في الإستصحاب القهقري فإنه خطأ محض . وبعد كلّ هذا لا داعي لتجشّم القول بأنه (لم تثبتِ لكلمة (نجَس) المعنى الشرعي الجديد، في عصر رسول الله(ص)، فنبقى فيها على معنى مطلق القذارة بما فيها معنى القذارة المعنوية) وإن كان لا بأس بهذا القول .
* وأمّا الروايات الدالّة على نجاستهم فهي :
1 ـ ما رواه في العلل عن محمد بن الحسن(بن الوليد) عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضّال عن (أبيه)الحسن بن علي(بن فضال) عن عبد الله بن بكير عن عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله (عليه السلام) ـ في حديث ـ قال : ( وإيّاك أن تغتسل من غسالة الحمّام، ففيها تجتمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا أهل البيت وهو شرّهم، فإن الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقاً أنجس من الكلب، وإن الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه )[11] موثقة السند .
ورواها في الكافي عن بعض أصحابنا عن (محمد)بن جمهور عن محمد بن القاسم عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : ( لا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها غسالة الحمّام، فإن فيها غسالة ولد الزنا، وهو لا يطهر إلى سبعة آباء، وفيها غُسالة الناصب، وهو شرّهما، إن الله لم يخلق خلقاً شراً من الكلب، وإنّ الناصب أهون على الله من الكلب ) ضعيفة السند بابن جمهور الذي يُظن أنه محمد وليس ولده الحسن بن محمد بن جمهور الثقة، إلاّ أن تصحّح على مبنى صحّة روايات الكافي .







[3] يقصد القذارة المعنوية النفسانية .
[4] أي وهذه النجاسة المعنوية أمرٌ غير النجاسة المادية، فليس النظر بقوله تعالى[ نجس] النجاسةَ المادية .
[5] سورة النساء، آية 171 .
[8] راجع شرح الحلقة الثالثة للمؤلّف، ج1، بحث الحقيقة الشرعية، ص197 .
[10] أقول مع أنها طاهرة بالإجماع !!. بل ترى السيد المرتضى يدّعي الإجماع دائماً حتى على خلاف الثابت عند الشيعة كنجاسة لحم الأرنب فقال "لحمُ الأرنب حرام عند أهل البيت عليهم السلام وقد وردت روايات كثيرة بذلك ولا خلاف بين الشيعة الإمامية فيه، والأرنب عندهم نجس لا يستباح صوفه"إنتهى وهو عجيب وغريب .

BaharSound

www.baharsound.com, www.wikifeqh.ir, lib.eshia.ir

logo