< قائمة الدروس

بحوث خارج الفقه

الأستاذ الشیخ ناجي طالب

35/02/12

بسم الله الرحمن الرحیم


العنوان: نجاسة الكلب والخنزير البريين

السادس والسابع : الكلب والخنزير البريّان دون البحري منهما[1]، وكذا رطوباتهما وأجزاؤهما وإن كانت مما لا تحله الحياة، كالشعر والعظم ونحوهما، إلاّ شعر الخنزير فإنه طاهر . ولو اجتمع أحدهما مع الآخر فتوَلَّدَ منهما ولدٌ، فإنه يكون نجساً لا محالة . وأمّا إن تجامع أحدُهما مع إحدى الحيوانات الطاهرة ـ كالشاة مثلاً ـ فتولّد منهما حيوانٌ، فإن عُرِفَتْ حقيقتُه ـ علميّاً ـ فإنها تُتّبع، وإلا يُرجَعُ إلى نظرة الناس، فإنْ صَدَقَ عليه أنه شاة ـ مثلاً ـ فهو طاهر، وإن صدق عليه أنه كلبٌ ـ مثلاً ـ فهو نجس، وإنْ لم يظهر لنا التبعيّة لأحدهما ـ بنظر الناس ـ فالأحوط وجوباً اعتباره نجساً، خاصّةً إذا كان ملفّقاً منهما .
استفاضت الروايات في نجاسة الكلب والخنزير البرّيين، وهاك أهمّ النصوص في نجاسة الكلب أوّلاً :
1 ـ روى في التهذيبين عن الحسين بن سعيد عن حمّاد(بن عيسى) عن حريز عن الفضل أبي العباس قال : سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن فضل الهِرَّة والشاة والبقرة والإبل والحمار والخيل والبغال والوحش والسباع، فلم أترك شيئاً إلا سألته عنه فقال : ( لا بأس به ) حتى انتهيتُ إلى الكلب فقال : ( رجس نجس لا تتوضأ بفضله واصبب ذلك الماء، واغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء )[2] [3]صحيحة السند، وهي تصرّح بأنّ الكلب نجس ... وفي يب بإسناده عن الحسين بن سعيد عن حماد عن حريز عن الفضل أبي العباس قال : قال أبو عبد الله (عليه السلام) : ( إذا أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله، وإن مسه جافّاً فاصبب عليه الماء ) .
2 ـ وفي التهذيبين عن الحسين بن سعيد عن حمّاد(بن عيسى) عن حريز(بن عبد الله) عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : سألته عن الكلب يشرب من الإناء ؟
قال : ( اِغسلْ الإناء ) صحيحة السند . لكن لم أفهم لماذا لم يذكر (عليه السلام) التعفيرَ بالتراب ! لأنّ مقتضى الجمع ح سيكون استحباب الغسل بالتراب، ولكن بما أنه لا معنى للإستحباب في التطهير، فلا بدّ من حمله على الإرشاد إلى أنّ الغسل بالتراب هو الأحسن والأفضل، ونحن نحتاط وجوباً بالغسل بالتراب أوّلاً .
3 ـ وروى في التهذيبين بإسناده عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد(بن عيسى) عن أيوب بن نوح(ثقة له كتب) عن صفوان بن يحيى عن معاوية بن(ميسرة بن)شريح[4] قال : سأل عذافر أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا عنده عن سؤر السنور والشاة والبقرة والبعير والحمار والفرس والبغل والسباع، يشرب منه أو يتوضّأ منه ؟ فقال : ( نعم، اِشربْ منه وتوضّأ منه )، قال : قلت له : الكلب ؟ قال : ( لا ) قلت : أليس هو سبع ؟ قال : ( لا والله إنه نجس، لا واللهِ إنه نجس ) صحيحة السند، ورواها في التهذيبين بسند آخر أيضاً عن سعد عن أحمد(بن محمد بن عيسى) عن الحسن بن علي بن فضال(ثقة) عن عبد الله بن بكير(ثقة فطحي) عن معاوية بن ميسرة(بن شريح) عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله، وهي موثّقة السند .
4 ـ وفي التهذيبين بإسناده عن سعد عن أبي جعفر أحمد بن محمد(بن عيسى) عن عثمان بن عيسى([5]) عن سَماعة بن مِهْران(ثقة)[6] عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : ( ليس بفضل السنور بأس أن يُتوضأ منه ويشرب، ولا يشرب سؤر الكلب إلا أن يكون حوضاً كبيراً يُستقَى منه ) صحيحة السند .
5 ـ وروى في العلل عن محمد بن الحسن(بن الوليد) عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضّال عن الحسن بن علي(بن فضال) عن عبد الله بن بكير عن عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله(عليه السلام) ـ في حديث ـ
قال : ( وإيّاك أن تغتسل من غسالة الحمّام، ففيها تجتمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا أهل البيت وهو شرّهم، فإن الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقاً أنجس من الكلب، وإن الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه )[7] موثقة السند .
6 ـ وفي التهذيبين بإسناده عن الحسين بن سعيد عن حماد(بن عيسى) عن حريز(بن عبد الله) عن محمد بن مسلم قال : سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الكلب يصيب شيئاً من جسد الرجل، قال : ( يغسل المكان الذي أصابه )[8] صحيحة السند .
إذن الروايات القائلة بنجاسة شعر الكلب ورجليه هي صحيحة أبي العبّاس الفضل وموثّقة عبد الله بن أبي يعفور وصحيحة محمد بن مسلم .
أمّا نجاسة سؤره فلصحيحة الفضل أبي العبّاس أيضاً وصحيحة محمد بن مسلم وصحيحة معاوية بن ميسرة وصحيحة سماعة بن مهران وموثّقة عبد الله بن أبي يعفور .
وفي قبال روايات نجاسة الكلب ما رواه في يب عن الحسين بن سعيد عن (محمد)ابن سنان(موثّق عندي لعدّة قرائن) عن (عبد الله)ابن مسكان(ثقة عين) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : سألته عن الوضوء مما ولغ الكلب فيه والسنور، أو شرب منه جمل أو دابّة أو غير ذلك، أيتوضأ منه أو يغتسل ؟ قال : ( نعم، إلا أن تجد غيرَه فتنزه عنه )[9] مصحّحة السند .
أقول : لا بدّ من حملها على ما إذا كان الماء بالغاً قدر كر، وذلك بمقتضى الجمع العرفي بينها وبين الروايات السابقة وما رواه في التهذيب عن المفيد عن ابن قولويه عن أبيه عن سعد عن أحمد بن محمد(بن عيسى) عن عثمان بن عيسى(ثقة واقفي، قيل ثم رجع عثمانُ عن وقفه) عن سماعة بن مهران عن أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال : (ولا تشرب من سؤر الكلب إلا أن يكون حوضاً كبيراً يستقى منه )، وكذا نفى المحققُ الهمداني البعْدَ عن حملها عليه، لقوة احتمال ورودها في مياه الغدران التي تزيد عن الكر غالباً .
وقد نُسِب إلى الصدوق+ القولُ بطهارة كلب الصيد !! حيث حُكِيَ عنه أن "مَن أصاب ثوبَه كلبٌ جافٌّ فعليه أن يرُشَّهُ بالماء !! وإن كان رطباً فعليه أن يغسله، وإن كان كلبَ صيد فإن كان جافّاً فليس عليه شيء، وإن كان رطباً فعليه أن يرشه بالماء" . ولكنّي لم أرَ هذا الذي نُسِب إليه رغم بحثي الكثير . نعم، رأيتُ في كتابه الهداية أنه قال : "وأما الماء الآجن والذي قد ولغ فيه الكلب والسنور فإنه لا بأس بأن يتوضأ منه ويغتسل، إلا أن يوجد غيرُه فيتنزه عنه[10] "(إنتهى) .
ويدفعه النصوص المتقدمة الظاهرة في نجاسة الكلب على وجه الإطلاق، مضافاً إلى ما رواه في الكافي عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن (الحسن)ابن محبوب عن العلاء(بن رزين) عن محمد بن مسلم قال : سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الكلب السلوقي فقال : ( إذا مسسته فاغسل يدك )[11] صحيحة السند، فإنها ظاهرة في نجاسة الكلب السلوقي بخصوصه .
وقال في كتابه (المقنع) : "فإن وقع كلب في إناء أو شرب منه، أُهريق الماء، وغسل الإناء ثلاث مرّات : مرّة بالتراب ومرّتين بالماء، ثمّ يجفّف"(إنتهى) وذلك كما قال أبوه علي بن بابويه تماماً، إذ قال في كتابه (فقه الرضا) : "وإن شرب من الماء دابة أو حمار أو بغل أو شاة أو بقرة، فلا بأس باستعماله والوضوء منه، ما لم يقع فيه كلب أو وزغ أو فأرة، فإن وقع فيه وزغ أهريق ذلك الماء، وإن وقع كلب أو شرب منه، أُهريق الماء، وغسل الإناء ثلاث مرات : مرة بالتراب ومرتين بالماء، ثم يجفّف"(إنتهى) .

* ومن الروايات التي تفيد طهارة شعر الخنزير ونجاسة سؤره :
1 ـ ما رواه في الكافي عن محمد بن يحيى عن العمركي(بن علي بن محمد البوفكي النيشابوري شيخ من أصحابنا ثقة) عن علي بن جعفر عن موسى بن جعفر (عليهم السلام) قال : سألته عن الرجل يصيب ثوبَه خِنزيرٌ فلم يَغسِلْه، فذَكَرَ وهو في صلاته كيف يصنع به ؟
قال : ( إن كان دخل في صلاته فليمضِ، فإن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه، إلا أن يكون فيه أثر فيغسله ) . قال : وسألته عن خنزير يشرب من إناء كيف يصنع به ؟ قال : ( يُغسَل سبع مرات )[12] صحيحة السند، وهي تفيد طهارة شعر الخنزير، وذلك لأنّ النضح غير الغسل، فهو إرشاد إلى حُسْنِ إزالة القذارة والوساخة العرفية لا غير . وعلى هذا يجب حمْلُ قولِه (عليه السلام) ( إلا أن يكون فيه أثرٌ فيغسله ) وإلاّ فلو كان شعر الخنزير نجساً لَذَكَرَ ذلك من أوّل مرّة .
نعم، لا شكّ في نجاسة سؤره بدليل قوله (عليه السلام) ( يُغسَل سبعَ مرات ) .
2 ـ وفي يب بإسناده عن أحمد بن محمد عن موسى بن القاسم(بن معاوية بن وهب ثقة) عن علي بن محمد(جعفر ـ خ)[13] عليه السلام قال : سألته عن خنزير أصاب ثوباً وهو جافّ، هل تصلح الصلاة فيه قبل أن يغسله ؟
قال : ( نعم، ينضحه بالماء ثم يصلي فيه )، ورواها في قرب الإسناد بإسناده عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهم السلام) مثله . وهي لا تدلّ على النجاسة بحال، وذلك لأنّ قولَه (عليه السلام) ( ينضحه بالماء ثم يصلي فيه ) لا يفيد النجاسة، وذلك ـ كما قلنا قبل قليل ـ لأنّ النّضح غير الغسل، فهو لا يزيل النجاسة ولا يطهّر بأيّ وجه، فهي إرشاد إلى إزالة الوسخ والقذارة العرفية فقط لا النجاسة الشرعية .
وأمّا سؤره فلا شكّ في وجوب الحكم بنجاسته .
ولم أرَ غير هتين الروايتين في مسألتنا .

* وأمّا شعر الخنزير فقد ذكرت الروايات الصحيحة طهارته وحكمنا بذلك سابقاً فراجع دليلنا المفصّل على ذلك، ولكن مع ذلك إذا كان على شعر الخنزير دسومة منه فلا بدّ من إزالتها والحكم بنجاسة الدسومة .

* وقد تقدّم الكلام في نجاسة كلّ ما لا تحلّه الحياة من أجزاء الكلب والخنزير مفصَّلاً ـ طبعاً ما عدا شَعر الخنزير فقط ـ .




[3]ملاحظة : هكذا رواها في التهذيبين، لكنه رواها في الخلاف ص 176 هكذا "... واغسله بالتراب أوّل مرّة ثم بالماء مرتين" بإضافة (مرّتين) وهكذا رواها المحقّق الحلّي في المعتبر ناقلاً إياها عن الأصحاب عن أبي العبّاس الفضل، هذا ولكن الشيخ رواها في الخلاف أيضاً ص 177 و 188 من دون لفظة (مرتين) !! واختَلَف قولُ العلاّمة الحلّي في كتبه فأغلبُ الأحيان كان يرويها من دون (مرّتين) وقليلاً كان يضيفها !! أقول : لا تثبت شرعاً هذه الكلمة، أعني أنّ أدلّة حجيّة خبر الثقة لا تشمل هكذا كلمة مشكوكة بل مظنونة الإضافة جداً، وذلك لإجماع التهذيبين ومحلّين من (الخِلاف) على عدم وجود (مرّتين)، وإنما اقتُصِر ذِكْرُ (مرّتين) في الخِلاف فقط وفي موضع واحد فقط، ممّا يجعلنا نطمئنّ أنها كُتِبَتْ سهواً . ويكفينا أنّ هكذا حالة لا تكون موضوعاً للحجيّة، بل حتى مع فرض الشكِّ في شمول الحجيّة لهكذا حالةٍ الأصلُ عدمُ الحجيّة . ولكننا مع ذلك نحتاط وجوباً لادّعاء الإنتصار والخلاف وغيرهما الإجماعَ ـ إلاّ إبن الجنيد ـ على وجوب التثليث، وقد أفتى الصدوق في الفقيه والشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي بالتثليث .
[4] هو موثّق عندي لرواية صفوان وابن أبي عمير بسند صحيح عنه، وروى عنه البزنطي أيضاً لكنْ في السند سهل وفي وثاقة سهل كلام .، وروى عنه في الفقيه مباشرةً وهي أمارة الوثاقة أيضاً .
[5]ثقة له كتب، كان واقفياً، قالوا : ثم تاب وبعث المال إلى الرضا (عليه السلام)..
[6] صرّح الشيخُ الصدوق بأنّ سَماعة بن مِهْران واقفيّ، أي وقف على الإمام الكاظم(عليه السلام)ولم يقل بإمامة الإمام الرضا (عليه السلام)، ثم تبعه في ذلك الشيخ في رجاله . أقول : هذا عجيب، إذ كيف ـ مع وقْفِه ـ يصفه النجاشيّ بأنه ثقة ثقة ! وهو مَدْحٌ لا يستحقُّه الواقِفَةُ لعنهم الله، ويصفه الشيخ المفيد بأنه "من الأعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام الذين لا يطعن عليهم ولا طريق إلى ذمّ واحد منهم"، ولم يتعرّض لوقفه البرقيُّ ولا الكشّي ولا إبن الغضائري !! بل في (كلّيّات في علم الرجال) ـ للشيخ جعفر السبحاني ص 413 ـ أنه مات في زمان الكاظم (عليه السلام)! فكيف يكون قد وقف على الإمام الكاظم ! ولم يقل بإمامة الرضا (عليه السلام) ؟!! ولذلك لن ترانا نقول بوَقْفِه، إلاّ أننا ـ مع ذلك ومع الإعتذار من سَماعة ـ لعلّنا نَصِفُ رواياتِه بالـ (موثّقة) أحياناً وذلك لاحتمال وقْفِه، ولو كان احتمالُ وقْفِه في غاية الضعف، ولا ضير في هكذا اصطلاحات، بعد كون الموثّقةِ حجّةً كالصحيحة . .
[13] لا شكّ في أنّ قوله (عن علي بن محمد عليه السلام) اشتباه، والصحيح (عن علي بن جعفر عن أخيه) كما هي سائر روايات موسى بن القاسم وكما هو السند في قرب الإسناد .

BaharSound

www.baharsound.com, www.wikifeqh.ir, lib.eshia.ir

logo