< قائمة الدروس

الأستاذ الشيخ حسن الرميتي

بحث الأصول

38/02/28

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: أدلة الاحتياط

الوجه الثاني: ان الأمر بالتوقف في هذه الروايات لا يصلح إلاّ للارشاد ولا يمكن أن يكون أمرا مولوليا يستتبع الثواب والعقاب، لانه علّل التوقف فيها بأنه خير من الاقتحام في الهلكة ولا يصح هذا التعليل إلا أن تكون الهلكة مفروضة التحقق في ارتكاب الشبهة مع قطع النظر عن هذه الأخبار الآمرة بالتوقف ولا يمكن أن تكون الهلكة المعللّ بها وجوب التوقف مترتبة على نفس وجوب التوقف لأن الفرض أنها علّة لوجوب التوقف والعلّة متقدمة رتبة على المعلول فلو كانت مترتبة على وجوب التوقف للزم تأخرها رتبة عن الحكم وقد فرضناها متقدمة.

وعليه فإذا كانت الهلكة مفروضة الوجود والتحقق قبل الأمر بالتوقف. فنسأل حينئذ ما هو المنشأ لها، ولا بدّ أن يكون المنشأ لها في رتبة متقدمة على الأمر بالتوقف، وهو العلم الإجمالي ونحوه، وهو المنجّز للتكليف، ومن هنا يتعيّن حمل الأمر بالتوقف في هذه الأخبار على الإرشاد المحض. وتختص الشبهة الذي يقف عندها حينئذ بالشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي والشبهة البدوية قبل الفحص، ولا يمكن شمول إطلاق الشبهة للشبهة البدوية بعد الفحص لأنها بمقتضى قبح العقاب بلا بيان مما يقطع بعدم الهلكة - أي العقاب - فيها. وقد اتضح ممّا ذكرنا أنه لا يمكن أن يكون الأمر بالتوقف فيها بيانا على الواقع المجهول ومنجزا له، لأن شأن البيان أن يكون هو المنشأ لترتب الهلكة على المخالفة.

وقد فرضنا أن وجوب التوقف متوقف على الهلكة لأنه معلول لها، وعليه فيستحيل أن يكون الأمر بالتوقف بيانا على الواقع المجهول، ثم أنه قد يقال ان الأمر بالتوقف وان لم يكن بيانا على الواقع المجهول ولا يكون منجزا له إلا أنه كاشف عن جعل وجوب الاحتياط، فيكون التنجيز لأجله لا لأجل الأمر بالتوقف.

وتوضيحه أنه قد تقدم ان الهلكة - أي العقاب - مفروضة الوجود والتحقق قبل الأمر بالتوقف لأنها علّة له والعلّة متقدمة رتبة على المعلول، فإذا كان اطلاق الشبهة شاملا للشبهة البدوية بعد الفحص فيستكشف من اطلاقها ان الشارع جعل وجوب الاحتياط في مرتبة متقدمة على الأمر بالتوقف وبعد صلاحية ايجاب الاحتياط للبيانية والمنجزيّة للتكليف المجهول تخرج الشبهة البدوية ولو بعد الفحص عن مورد حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان.

وأجاب الشيخ الانصاري عن ذلك بأن ايجاب الاحتياط لا يكفي في تنجيز الواقع المجهول لأنه ان كان مقدمة للتحرز عن العقاب الواقعي فهو مستلزم لترتب العقاب على التكليف المجهول وهو قبيح، وان كان حكما ظاهريا نفسيا فالهلكة الأخروية مترتبة على مخالفته لا على مخالفة الواقع وصريح الاخبار إرادة الهلكة الموجودة في الواقع على تقدير الحرمة الواقعية.

أقول يرد عليه ان وجوب الاحتياط غير منحصر في الوجوب المقدمي الغيري والوجوب النفسي بل هو على تقديره وجوب طريقي وبه يتنجز الواقع. والانصاف في الجواب عن ذلك هو لزوم الدور على القول بكون الأمر بالتوقف كاشفا عن جعل وجوب الاحتياط.

وتوضيحه: ان جريان أصالة الاطلاق لاحراز ان كل شبهة فيها الهلكة حتى الشبهة البدوية بعد الفحص متوقف على العلم بوجود البيان في مرتبة سابقة على ذلك، إذ لولاه يقطع بعدم الهلكة في ارتكابها بمقتضى قبح العقاب بلا بيان، ومع القطع بالعدم لا يحتمل مطابقة الظهور الاطلاقي للواقع فلا تجري فيه أصالة الظهور والعلم بوجود البيان متوقف على جريان أصالة الاطلاق في المشتبه، لأن الفرض أنه لا طريق لكشف جعل ايجاب الاحتياط في الشبهات البدوية بعد الفحص سوى هذا الاطلاق فيدور. والخلاصة إلى هنا أن الأمر بالتوقف في هذه الروايات لا يصلح إلا للارشاد.

الوجه الثالث أنه يحتمل أن يكون الأمر بالتوقف ناشئا عن مصلحة في نفسه كحصول قوة للنفس باعثة على الطاعات وترك المعاصي، فإن حصول الملكات الحميدة والمذمومة تدريجي وللتوقف عند الشبهات أمر بيّن في حصول هذه الملكات وإلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين (ع) في مرسلة الصدوق: (حلال بيّن وحرام بيّن وشبهات بين ذلك فمن ترك ما اشتبه عليه من الاثم فهو لما استبان له اترك...الخ) [1] .

وعليه فمعنى هذه الروايات هو أن ترك الوقوف عند الشبهات والاقتحام فيها يوجب مظنة الوقوع في المحرمات، فإن الشخص إذا لم يجتنب عن الشبهات وعوّد نفسه على الاقتحام فيها هانت عليه المعصية، وكان ذلك موجبا لجرئته على فعل المحرمات كما أن الشخص لو لم يعتن بالمعصية الصغيرة هانت عليه الكبيرة.

وأمّا إذا لم يعوّد الشخص نفسه على الاقتحام في الشبهات بل عوّد نفسه على التجنّب عنها والوقوف عندها حصلت له ملكة التجنب عن المعاصي، وإلى ذلك يشير أمير المؤمنين (ع) في ذيل مرسلة الصدوق:(والمعاصي حمى الله فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلها) [2] ، وعليه فالأمر بالوقوف عند الشبهة يكون مستحبا في نفسه. والخلاصة إلى هنا أنه لا يصحّ للأخباري أن يستدل بهذه الطائفة من الروايات على وجوب الاحتياط في الشبهة التحريمية الحكمية، والله العالم.

الطائفة الرابعة: الروايات الدالة على وجوب الاحتياط وهي مستفيضة جدا. منها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: (سالت أبا الحسن (ع) عن رجلين أصابا صيدا وهما محرمان الجزاء بينهما أو على كل واحد منهما جزاء. قال: لا بل عليهما أن يجزي كل واحد منهما الصيد. قلت: إن بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه. فقال: إذا أصبتم مثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا) [3] .

ومنها موثقة عبد الله بن وضاح قال: (كتبت إلى العبد الصالح (ع) يتوارى القرص ويقبل الليل ثم يزيد الليل ارتفاعا وتستتر عين الشمس ويرتفع فوق الليل (الجبل) حمرة ويؤذن عندنا المؤذنون فأصلي حينئذ وافطر ان كنت صائما أو انتظر حتى انتظر حتى تذهب الحمرة التي فوق الليل (الجبل) فكتب إليّ أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة وتأخذ بالحائط لدينك) [4] .

ومنها رواية أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري عن الرضا (ع) أن أمير المؤمنين (ع) قال لكميل بن زياد: (أخوك دينك فأحتط لدينك بما شئت) [5] ، ضعيفة بجهالة علي بن محمد الكاتب. ومنها مرسلة الشهيد عنه (ع): (ليس بناكب عن الصراط من سلك سبيل الاحتياط) [6] ، وهي ضعيفة بالارسال.


BaharSound

www.baharsound.com, www.wikifeqh.ir, lib.eshia.ir

logo