< قائمة الدروس

الأستاذ الشيخ حسن الرميتي

بحث الفقه

41/04/05

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: صلاة المسافر

وأمَّا القول الأوَّل أي القول بتعيُّن التقصير : فيدلُّ عليه طائفتان من الأخبار:

الطائفة الأُولى: إطلاق روايات التَّلفيق، أي الرِّوايات التي ورد فيها التَّحديد بالأربعة، أو البريد على الإطلاق، حيث لم يُقيَّد فيها الرُّجوع ليومه.

الطائفة الثانية: الرِّوايات الدَّالَّة على وجوب التقصير على أهل مكَّة عند خروجهم إلى عرفات، مع أنَّهم حتماً لا يرجعون في نفس اليوم، بل يبيتون في مُزْدلِفة.

وأمَّا القول: بتقييد الرُّجوع بكونه في نفس اليوم، فهو مستلزم لطرح أغلب الرِّوايات التي ورد فيها التحديد بالبريد، حيث أنَّها ظاهرة في عدم الرُّجوع ليومه.

وأمَّا روايات الخروج إلى عرفات، فهي آبية عن التقييد، بل التقييد بعيد أيضاً بالنسبة إلى ما عداها من الرِّوايات المطلقة بكونه تقييداً بالفرد النَّادر، إذ ليس المقصود بالبريد خصوصه من غير زيادة، كي لا يكون رجوعه ليومه نادراً، بل المقصود به البريد فما زاد، واشتراط الرُّجوع معتبر في ما دون الثمانية مطلقاً، مع أنَّه قلَّما يتَّفق الرُّجوع ليومه في الأسفار البالغة إلى ستَّة فراسخ أو سبعة.

أضف إلى ذلك: أنَّه لا موجب لتقييد الرُّجوع بكونه في نفس اليوم إلاَّ موثَّقة محمَّد بن مسلم المتقدِّمة التي علَّلت التقصير بكونه شاغلاً ليومه، حيث ورد فيها «إِنَّهُ إِذَا ذَهَبَ بَرِيداً وَرَجَعَ بَرِيداً فقد شَغَلَ يَوْمَهُ».[1] ولكنَّ المقصود بالتعليل ‌ على ما يشهد به سَوْق السُّؤال ‌ هو رفع استبعاد السَّائل، وتعجُّبه من تحديد التقصير بالبريد، حيث قال «سَأَلْتُهُ عَنِ التَّقْصِيرِ؟ قَالَ: فِي بَرِيدٍ، قَالَ: قُلْتُ: بَرِيدٌ؟!»، حيث بيَّن (عليه السلام) أنَّه برجوعه بريداً يكون داخلاً في موضوع السَّفر. فقوله (عليه السلام): «إِنَّهُ إِذَا ذَهَبَ بَرِيداً وَرَجَعَ بَرِيداً فقد شَغَلَ يَوْمَهُ»، في قوَّة أن يقال: إنَّه إذا ذهب ورجع فقد بلغ سفره الحدَّ الذي عُرف في الشَّريعة كونه حدّاً للتقصير.فشغل يومه الذي وقع التعبير به في التعليل، وإن كان موقوفاً على رجوعه ليومه، إلاَّ أنَّه لا مدخليَّة لفعليَّته فيما هو مناط التقصير، كما عرفت سابقاً.ولو أُريد شغل اليوم فعلاً للزم عدم القول بالتقصير فيما لو قطع المسافة المعتبرة بذهابه ورجوعه في سعة الوقت، خصوصاً قبل الزَّوال، حيث إنَّه لا يصدق عليه أنَّه شغل يومه، بل بعض يومه، مع أنَّه لا يلتزم به القائلون بالتقييد.وممَّا يؤكِّد أنَّه ليس المراد من شغل اليوم هو الشُّغل الفعليّ هو أنَّه لو كان كذلك للزم أن يكون ذهابه في اللَّيل بريداً، ورجوعه في تلك الليلة بريداً خارجاً عن مورد هذا الحكم؛ لعدم كونه شاغلاً ليومه، وكذا لو ذهب في آخر هذا اليوم، ورجع في أوَّل اللَّيل.

والخلاصة: أنَّه لا بدَّ من حمل قوله (عليه السلام) «فقد شغل يومه» على إرادته من باب الفرض لا التحقُّق، فكونه شاغلاً ليومه مبنيٌّ على فرض كون ذهابه ورجوعه واقعاً في يوم، لا على تحقُّقه.

ثمَّ إنَّه لو سلَّمنا ظهور هذه الموثَّقة في اعتبار شغل يومه بالفعل في جواز التقصير، لوجب ردُّ علمها إلى أهلها (عليهم السلام)؛ لعدم صلاحيَّتها لمعارضة الرِّوايات المستفيضة الواردة في خروج أهل مكَّة إلى عرفات؛ لأنَّها نصٌّ في جواز التقصير لغير مُريِد الرُّجوع ليومه.

وأمَّا القول: بأنَّها موهونة بإعراض الأصحاب عنها. ففيه أوَّلاً ‌ ما ذكرناه في أكثر من مناسبة ‌: أنَّ إعراض المشهور لا يوجب الوهن. وثانياً: لم يحرز أنَّ المشهور أعرض عنها، كيف وقد نُسِب إلى المشهور القول بالتخيير، جمعاً بين هذه الرِّوايات وروايات الثَّمانية فراسخ. وعليه، فكيف يتحقَّق الإعراض مع حملهم لها على الوجوب التخييري.

وأمَّا القول الثاني وهو تعيُّن الإتمام : فقد يستدلُّ له ببعض الرِّوايات:

منها: موثَّقة عبد الرحمان بن الحجَّاج عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ التَّقْصِيرِ فِي الصَّلَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ لِي ضَيْعَةً قَرِيبَةً مِنَ الْكُوفَةِ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْقَادِسِيَّةِ مِنَ الْكُوفَةِ فَرُبَّمَا عَرَضَتْ لِيَ الْحَاجَةُ أَنْتَفِعُ بِهَا، أَوْ يَضُرُّنِي الْقُعُودُ عَنْهَا فِي رَمَضَانَ فَأَكْرَهُ الْخُرُوجَ إِلَيْهَا؛ لِأَنِّي لَا أَدْرِي أَصُومُ أَوْ أُفْطِرُ؟ فَقَالَ لِي: فَاخْرُجْ، وَأَتِمَّ الصَّلَاةَ، وَصُمْ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الْقَادِسِيَّةَ».[2] والرِّواية موثَّقة، فإنَّ ابن الزُّبير القرشي الواقع في إسناد الشَّيخ إلى ابن فضَّال، وإن كان غير موثَّقة بالخصوص، إلاَّ أنَّه من المعاريف. والمسافة بين القادسيَّة والكوفة خمسة عشر ميلاً، أي خمسة فراسخ، وقد أمر الإمام بالإتمام فيها. وهي مطلقة من حيث الرُّجوع ليومه أو لا، وبما أنَّه من المعلوم أنَّه مع الرُّجوع ليومه يتعيَّن التقصير فينحصر موردها بالرُّجوع لا ليومه.نعم، يحتمل أن يكون الأمر بالإتمام لكون ضيعته بحكم الوطن، أو يحتمل أن يكون ناوياً للإقامة عشرة أيام. ولكنَّ الإنصاف: أنَّها ظاهرة في المطلوب. ولكن مع ذلك يُرفع اليد عن هذا الظُّهور؛ لأجل الرِّوايات الواردة في خروج أهل مكَّة إلى عرفات، فإنَّها نصّ في التقصير مع عدم الرُّجوع في نفس اليوم.

أضف إلى كل ذلك: أنَّ هذا الموثَّقة يعارضها بخصوص موردها موثَّقة ابن بكير «قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عليه السلام) عَنِ الْقَادِسِيَّةِ أَخْرُجُ إِلَيْهَا، أُتِمُّ أَمْ أُقَصِّرُ؟ قَالَ: وَكَمْ هِيَ؟ قُلْتُ: هِيَ الَّتِي رَأَيْتَ، قَالَ: قَصِّرْ».[3]

ومنها: موثَّقة عمَّار عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ فِي حَاجَةٍ، فَيَسِيرُ خَمْسَةَ فَرَاسِخَ أَوْ سِتَّةَ فَرَاسِخَ، فَيَأْتِي قَرْيَةً فَيَنْزِلُ فِيهَا، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَيَسِيرُ خَمْسَةَ فَرَاسِخَ أُخْرَى أو سِتَّةً لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، ثُمَّ يَنْزِلُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ مُسَافِراً حَتَّى يَسِيرَ مِنْ مَنْزِلِهِ أَوْ قَرْيَتِهِ ثَمَانِيَةَ فَرَاسِخَ، فَلْيُتِمَّ الصَّلَاةَ».[4] وهي دالَّة على وجوب الإتمام مطلقاً، سواء أرجع ليومه أم لغير يومه. ولكن بما أنَّ في صورة الرُّجوع ليومه يتعيَّن التقصير، كما عرفت، فيبقى المورد الآخر وهو الرُّجوع لا ليومه وهو المطلوب. ويرد عليها: أنَّها، وإن كانت ظاهرة في ذلك، إلاَّ أنَّه يتعيَّن رفع اليد عن هذا الظُّهور؛ لأجل الرِّوايات المتقدمة الدالَّة على جواز التقصير لأهل مكَّة الخارجين إلى عرفات، فإنَّها نصٌّ في ذلك.

والخلاصة: أنَّ هذا القول غير تامّ.

 

[1] وسائل الشيعة: باب 2 من أبواب صلاة المسافر ح9.

[2] وسائل الشيعة: باب 14 من أبواب صلاة المسافر ح4.

[3] وسائل الشيعة: باب 2 من أبواب صلاة المسافر ح7.

[4] وسائل الشيعة: باب 4 من أبواب صلاة المسافر ح3.

 

BaharSound

www.baharsound.ir, www.wikifeqh.ir, lib.eshia.ir

logo