< قائمة الدروس

الأستاذ السيد منير الخباز

بحث الفقه

37/03/25

بسم الله الرحمن الرحیم

الموضوع: الخلل الواقع في الصلاة

ما زال الكلام في أنّ الدليل الدال على مانعية ما لا يؤكل لحمه من صحة الصلاة هل يشمل كل ما يحرم أكله أو أنه خاص بالسباع؟.
حيث ذهب جمع من الفقهاء، بل نسب الى المشهور ومنهم سيدنا «قده» الى ان المانعية عامّة لكل ما لا يؤكل، بينما ذهب جمع آخر منهم: شيخ الشريعة الأصفهاني، والسيد الأصفهاني في حاشيته على العروة: بأن المانعية خاصة بالسباع، أي اذا كان ساتر العورة او ثوب المصلي من السباع فهذا الذي لا تصح الصلاة فيه لا مطلق ما لا يؤكل. وممن اختار هذا المبنى السيد الاستاذ «دام ظله».
والكلام فعلاً في الأدلة التي أقيمت لبيان اختصاص المانعية بما كان من السباع. وهذه الادلة عدة وجوه:
الوجه الاول: بيان قصور المقتضي، حيث ان المقتضي لشمول المانعية لكل ما لا يؤكل هو اطلاق الموثقة، حيث ان موثق ابن بكير قال: «إن الصلاة في وبر كل شيء حرامٍ أكله». فتمسك بإطلاق حرام اكله بما يشمل السباع وغيرها.
والبحث فعلا هل هناك إطلاق في قوله «حرام أكله» لما يشمل غير السباع ام لا؟
إذاً البحث متمحض الآن في وجود الاطلاق وعدمه، حيث ذكر السيد الأستاذ «دام ظله» في تقريره في تعارض الأدلة في الأصول: أن موثق ابن بكير لا إطلاق فيه لما يشمل غير السباع «القدر المتيقن منه هو السباع». والسر في ذلك: هو المناقشة في مفهوم الحرام، «حرام اكله» ما هو المفهوم من كلمة «الحرام»؟.
ومن هنا نذكر كلامه في تعارض الادلة:
قال: من اسباب تعارض الروايات هو تغير معاني الالفاظ بين زماننا وزمان النصوص، فنتيجة تغير معاني الالفاظ يقع لدينا تعارض بين روايتين، وما لو دققنا معاني الالفاظ في زمن النص نفسه لما وجدنا تعارض بينهما، فتغير معاني الالفاظ من مناشئ تعارض الروايات بالنسبة إلينا.
ثم ذكر شواهد على هذا التغيّر:
منها: لفظ الكراهة، حيث قال: حيث يتبادر منه الان عدم الحرمة، وقد ورد لفظ «كره» او «كرهنا» في استعمال آنية الذهب والفظة، «إنا نكره ذلك» وورد النهي عن الاستعمال في روايات أخرى: «لا تشرب منها، لا تأكل في آنية الذهب والفضة». فتصور التعارض بين روايات تنهى عن الاكل من آنية الذهب والفضة وبين روايات تقول إنا نكره ذلك. وأنما تصور التعارض لأن الكراهة حملت على معناها العرفي الان في زماننا وهو عدم الحرمة. لذلك بعضهم حمل النهي على النهي التنزيلي للجمع بين الروايتين.
ولكن بتتبع موارد استعمال لفظ «كره» يظهر ان الكراهة لم تكن مستخدمة بمعناها اليوم. بل هي في الاستعمالات القرآنية وغيرها مستعملة في المبغوض، كما في قوله عز وجل في «سورة الحجرات»: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾.
وقوله تعالى في «سورة الإسراء»: ﴿ُكلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾.
وفي رواية سيف التمار عن علي : «معتبرة سيف التمّار، قلت: لأبي بصير أحب أن تسأل ابا عبد الله عن رجل استبدل قوصرتين فيهما بسر مطبوخ بقوصرة فيها تمر مشقق، هل هذا ربا أم لا؟ فقال: هذا مكروه، فقال ابو بصير: ولم يكره؟ فقال: «إن علي ابن ابي طالب كان يكره ان يستبدل وسقاً من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر، لان تمر ادونهما «المفروض يقول اجودهما» ولم يكن علي يكره الحلال». وهنا الكراهة بمعنى المبغوضية والحرمة. فينغي حمل لفظ كره على الحرمة ما لم تقم القرينة على الخلاف.
الشاهد الثاني: كلمة «لا ينبغي» الذي ذهب المتأخرون إلى دلالتها على الكراهة فحسب، لكن مراجعة موارد استعمالها تقضي بأن المراد منها ان العمل غير متيسر وفي غير محله سواء كانت تكوينا او تشريعاً، وبذلك يرتفع التنافي المتوهم في روايات استعمال آنية الذهب والفضة حيث ورد في بعضها: لا ينبغي، وورد في بعضها: لا تشرب ولا تأكل.
فاذا حلمنا «لاينبغي» على معناه الان صار هناك تنافي بين النهي وبين لا ينبغي. وأما اذا حلمنا «لا ينبغي» على ان الامر غير ميسور لك تشريعاً إذاً فهي تدل على الحرمة. فلا تعارض بينها وبين النهي.
فلاحظوا أيضاً من الشواهد: ﴿َوهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ يعني لا يتيسر. ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ يعني هذا امر لا يتيسر، ﴿َومَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾.
فيستفاد من هذه الاطلاقات ان «الانبغاء» بمعنى التيسر، وعدم الانبغاء بمعنى عدم التيسر. ولذلك لفظ «لا ينبغي الدال على عدم التيسر تشريعاً او عدم التيسر تكوينا دال على المبغوضية والحرمة لا على الكراهة.
ومنها: لفظ المال، فالمال تارة يستعمل في خصوص النقد، وأخرى يستخدم كل ما له قيمة حتى الكتاب يقال له مال كما هو المتعارف في زماننا.
ولكن اذا رجعنا الى الروايات وجدنا ان المال مستخدم في الروايات في خصوص النقد، وهذا هو المخصوص فيما ورد: «لا زكاة في مال اليتيم»، ليس المقصود لا زكاة في كل ما عنده، لا زكاة في ماله والمال بمعنى النقد ولذلك اختار القدماء التفصيل في ما عند اليتيم بين النقدين والانعام الغلّات فقال بثبوت الزكاة في النقدين دون الانعام والغلات لورود لفظ المال في هذه الروايات.
ومن الشواهد: «يصلح في الاصول» العلم والظن، فان العلم بحسب المصطلح الموجود الآن: العلم بمعنى اليقين الجازم، والظن بمعنى الاعتقاد الراجح، لذلك حملت الآيات الناهية على العمل بالظن: ﴿َولَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
أو ﴿ِ إنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ او: ﴿ِإنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ حمل على الاعتقاد الراجح، وقيل ما ليس بعلم ليس بحجة إلا أن يقوم دليل خاص على حجيته وهو خبر الثقة.
ولكن هذا المعنى المصطلح مستحدث للفظ العلم الظن، جاء بعد ترجمة كتب المنطق والفلسفة اليونانيتين الى اللغة العربية، فحملوا اليقين الجازم على كلمة العلم يعني ترجموه بكلمة «العلم»، والاعتقاد الراجح ترجموه بكلمة «الظن» وصار هو المعنى المتعارف. مع أنك اذا دققت في ذلك لم يكن هذا المعنى تاما، وقد ذكر هذا الشيخ المظفر في أصوله، والعقاد في كتابه:
فذكر الشيخ المظفر: قال: الذي يبدو من تتبد استعمال كلمة «الجهل» ومشتقاتها في اصول اللغة العربية: ان الجهل لا يعني ما قابل العلم، بل هذا مصطلح جديد عند المسلمين لنقل الفلسفة اليونانية الى العربية استدعى تحديد معاني فكتبوا مكان العلم: الاعتقاد الجازم، وكتبوا مكان عدم العلم كلمة «جهل» والا فالجهل في اصل اللغة يعطي ما يقابل الحكمة والتعقل، _جاهل يعني غير متعقل غير حكيم، جاهل يقال لغير المتعقل، لغير المتروّي_، فهو يؤدي معنى السفه والفعل السفهي وما يصدر عن حماقة. «ج2، ص73، اصول المظفر».
وقال العقاد: العلم يستعمل في معنيين:
الاول: بمعنى الانشكاف، ومن ذلك اطلاقهم العلم على الجبل العالي، لانه واضح، والعلم على الراية المرفوعة والعلم على الاسم الذي اشتهر به صاحبه، هذا الاطلاق الاول، ان العلم اطلق على الظهور والانكشاف.
المعنى الثاني: اطلق العلم على الهداية والبصيرة، فيقال: فلان يمشي على علم، بمعنى على بصيرة وهدى، فالعلم عندهم هو الهداية ونقيضه الجهل، بمعنى التخبط وعدم الهداية.
السيد الاستاذ بعد ان نقل كلام المظفر وكلام العقاد قال: فالجهل والجهالة بمعنى السفاهة، والعمل الذي لم يفكر الشخص في عواقبه، ويسمى أيضاً بالظن. _إذاً هناك تقارب بين الجهال وبين الظن_ لان المنشأ لمعتقدات الانسان قد يكون بعض الحالات النفسية كالأماني والإيحاءات العاطفية او الاحساسية او الاعتقاد ببعض الكبار وبعض اقوالهم، والظن في القرآن بهذا المعنى، بمعنى الاعتقادات او الافكار، سواء كانت جازمة او غير جازمة إذا نشأت عن هذه المصادر العاطفية او الاحساسية دون ان تعتمد على البرهان او حساب الاحتمالات.
فالمعتقد وان كان اعتقاداً جازماً اذا لم ينشأ عن برهان أو دليل يسمى ظن او جهالة وليس علماً.
إذاً كل معتقد لا يذعن به العقل بما هو ظن فهو ظن ونجزم به، ولذلك نجد القران يصف اهل الجاهلية بالظن، ولا يعني ذلك ان ليس لديهم جزم، بل إن معتقداتهم ومنهجم الفكري لم يبتني على المناشئ العقلائية. ولذلك فالاخذ بخبر الثقة دون حصول الوثوق من المناشئ العقلائية ومنها نقد المتن وتقويمه، فهو من الظن المنهي عنه في الكتاب، لان مبناه ليس مطلق حجية خبر الثقة، بل الخبر الموثوق به، والمراد بالموثوق به ما نشأ الوثوق به عن قرائن عقلائية.
وهذا الذي نفهمه من الآيات التي تنهى عن اتباع الظن، كقوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾، وقوله: ﴿ِإنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾. إلى غير ذلك.
ثم قال: وعلماؤنا «الأوائل» القائلون بحجية خبر الواحد، وانما الحجة عندهم الخبر المفيد للوثوق بالصدور اعتمدوا على جملة من الأدلة في قولهم بعدم حجية خبر الواحد، منها ما اشرنا اليه.
نرجع الى ما هو محل الكلام:
ومما يتوهم من موارد استعماله لفظ «الحرام» فان الحرام الوارد في لسان الائمة ليس ظاهراً في الحرام مقابل ما يجوز، يعني الحرام فيما لا يجوز. في مقابل ما يجوز، بل الحرام ظاهر في حرّمه الله كتابه، أو جاء على لسان النبي تفسيراً للكتاب. وبعبارة أخرى: ما كانت حرمته على سبيل الفريضة.
كما في معتبرة زرارة: «لم يحرّم الله شيئا من الحيوان الا الخنزير بعينه ”لم يحرم في الكتاب“ ويكره كل شيء من البحر ليس له قشر وليس بحرام وإنما هو مكروه»، ”ليس بحرام يعني في الكتاب، وليس بمكروه يعني ليست الكراهة بالمعنى الموجود عندنا بل بمعنى المبغوضية كما ذكرنا في الشاهد الأول“.
ثم قال: ان الروايات استعملت الحرمة في معنيين أحدهما الحرمة الاصطلاحية مثل قوله : «حرم من الذبيح عشرة أشياء».
وقوله : «الجرّي والمار ماهي والطافي حرام في كتاب علي ولم يحرّم ذلك في القران».
الثاني: استعملت الحرمة فيما حرّم في القرآن خاصة، ومن تلك الروايات: صحيحة زرارة السابقة، ومن تلك الروايات صحيحة محمد ابن مسلم: «انما الحرام ما حرم الله ورسوله في كتابه وانما كانوا يعافون اشياء فنحن نعافها».
فإن قلت: اذا كان اللحم مما لا يجوز لماذا يعبر عنه بالكراهة لماذا لا يعبر عنه بالحرام؟. فإذا كان الكراهة بمعنى الوعيد والإلزام فلماذا عبّروا بلفظ الكراهة دون الحرمة؟.
الجواب: يظهر من مثل كتاب «الام» للشافعي، انهم كانوا يعدّون التعبير بالحرام والحلال في غير ما ذكر في القرآن ناشئ من عدم الورع، وكانوا يعبّرون بالكراهة، فقد جاء في كتاب «الأم» للشافعي: قال ابو يوسف «تلميذ ابو حنيفة»: ما اعظم قول الاوزاعي في قوله هذا حلال من الله وهذا حرام؟! لقد ادرك مشايخنا يكرهون في الفتيا ان يقولوا هذا حلال وهذا حرام الا ما كان في كتاب الله.
وبعد ان نقل كلام الربيع ابن الخيثم وعبر عن الربيع ابن الخيثم بأنه افضل التابعين، قال: حدثنا بعض اصحابنا عن ابراهيم النخعي وهو من كبار علماء الرأي متوفى سنة 95 واستاذه «استاذ ابو حنيفة» أنه حدث عن اصحابه انهم كانوا اذا افتوا بشيء ونهوا عنه قالوا هذا مكروه وهذا لا باس به، وأما انهم يقولون هذا حلال وهذا حرام فما اعظم هذا؟!. «ج7، ص351».
وفي اعلام الموقعين «لابن القيم»: قال: سمعت مالكاً يقول: لم يكن من امر الناس ولا من مضى من سلفنا ولا ادركت احداً اقتدي به يقول في شيء هذا حلال وهذا حرام وما كانوا يتجرؤون على ذلك وانما قالوا أكره كذا، او نراه حسناً.
ثم يوضح ابن القيم انه قد اشتبه اتباع الائمة الاربعة في حملهم المكروه على كذا.
فمن هذا _يريد يقول السيد ان الائمة إنما يعبرون هذا مكروه لا يردون النهي الاصطلاحي بل جريا على اللغة المتعارفة في زمانهم في التعبير عن ما لا يجوز بالكراهة، او عندما يقولون: لا نحب هذا او نحبه، فإنهم يجرون على اللغة المتعارفة في زمانهم، ومنه يظهر الوجه عن تعبير الائمة بالكراهة عما هو حرام باصطلاحنا.
وظهر ايضا: ان لفظ الحرام في كلماتهم لها مدلول خاص وهو ما كانت حرمته على سبيل الفريضة.
ومن هنا التزمنا وفاقا لبعض من تقدم: بعدم كون الصلاة في اجزاء بما لا يؤكل مطلقا بل هو مختص بالسباع، لان المراد من «الحرام» في رواية زرارة هو المعنى الاخص كما اختاره السيد الاصفهاني في حاشيته على العروة دون الوسيلة. واختاره شيخ الشريعة ايضا.
نحن نقول: اقل من قصور المقتضي، يعني ان السيد الاستاذ يدعي ان لفظ الحرام في موثقة ابن بكير «إن الصلاة في وبر كل شيء حرام اكله» لا إطلاق لها لكل ما لا يجوز ولكل منهي عنه، القدر المتيقن ما كان من السباع.
المناقشة تأتي يوم السبت إن شاء الله.

BaharSound

www.baharsound.com, www.wikifeqh.ir, lib.eshia.ir

logo