< قائمة الدروس

الأستاذ السيد منير الخباز

بحث الفقه

37/03/15

بسم الله الرحمن الرحیم

الموضوع: الخلل الواقع في الصلاة

ما زال الكلام في مانعية ما لا يؤكل لحمه في صحة الصلاة، وذكرنا أنّ في هذه المسألة مطالب.
المطلب الخامس: هل أنّ المانعية تشمل المحمول أو لا تشمل. فلو حمل في جيبه ما لا يؤكل لحمه وقبض بيده جلد السكين أو جلد الساعة وكان مما لا يؤكل لحمه فهل يشمله الموثق؟ موثق ابن بكير: «إن الصلاة في وبر كلِّ شيءٍ حرام أكله فالصلاة في شعره وجلده ووبره وبوله وروثه وألبانه وكل شيء منه فاسد لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلي في غيره مما أحل الله أكله».
ذكر سيد المستمسك «قده»: بأن «في» ظاهرة في الظرفية، ولا تصدق الظرفية في المحمول، فلا يقال: لمن صلى وبيده جلد السكين أو الساعة في جيبة جلد ما لا يؤكل انه: صلى فيما لا يؤكل، فإن الظرفية لا تصدق بلحاظ المحمول، لا على نحو الظرفية الحقيقة ولا على نحو الظرفية المجازية ايضا.
لكن سيدنا «قده» في «الموسوعة: ج12، ص173» قال بالشمول: وقال: بأن الصلاة المقترنة بما لا يحل اكله سواء كان ملبوسا أو محمولا لا تصح، وسواء كان قليلا أو كثيرا لا تصح الصلاة، وذلك لأن الظاهر من التعبير ب «في» المصاحبة لا الظرفية، فكأنه قال: ان الصلاة المصاحبة لما لا يؤكل لحمه فاسدة، سواء تصورنا ظرفية ما لا يؤكل لحمه للصلاة أم لم نتصور، فإن التعبير وإن كان ب «في» إلا ان مفاد هذا التعبير هو المصاحبة لا الظرفية، والشاهد على ذلك شمول المانعية للروث والبول والالبان مع انه لا يتصور ظرفية البول أو اللبن أو الروث للصلاة، ومع ذلك قال الإمام: «إن الصلاة في الروث والبول واللبن فاسدة».
فهذه قرينة على ان المراد ب «في» المصاحبة وليس الظرفية.
ولكن يلاحظ على ما افيد:
أولاً: انه لا قرينة على حمل «في» على المصاحبة، ومجرد ذكر البول والروث واللبين غايته تعميم الظرفية للظرفية الحقيقية والمجازية؛ بحيث يكون المراد جامع الظرفية، لا ان المدعى استعمال «في» في الظرفية الحقيقة والظرفية المجازية كي يشكل على ذلك بانه استعمال للفظ في اكثر من معنى. وإنما المدعى استعمال «في» جامع الظرفية الاعم من ان يكون مصداقه ظرفية حقيقية أو ظرفية مجازية.
ثانياً: ما اشكل به سيد المستمسك حيث قال: لو كان المراد ب «في» مطلق المصاحبة لبطلت الصلاة في المخازن والسفن الحاملة لما لا يؤكل حلمه، والمكان المفروش بما لا يؤكل لحمه، فلو صلى على فراش مما لا يؤكل لحمه.
أي كان المكان جلد ما لا يؤكل لحمه، فهل تلتزمون ببطلان الصلاة، لأن صلاته مصاحبة لما لا يؤكل لحمه، وانتم لا تلتزمون بذلك ابدا، مما يعني ان المقصود ب «في» الظرفية وليس المقصود بها مطلق المصاحبة.
لكن سيدنا «قده» اجاب عن اشكال المستمسك قال:
وقد يقال: بامتناع الحمل على مطلق المصاحبة والا لزم المنع عن الصلاة في محل فيما لا يؤكل لحمه مثل المخازن والسفن الحاملة لها، أو المكان المفروش بها، لصدق المصاحبة حينئذ مع انه مما لا يمكن الالتزام به.
وجوابه ظاهر: إذ المراد بالمصاحبة بمقتضى مناسبة الحكم للموضوع المعيّة والاقتران بين الصلاة بما هي صلاة م اجزاء ما لا يؤكل، فاذا قال لا تصل فيما لا يؤكل يعني لا تصلي في ما لا يؤكل. فمعناه: لا تصلي مصاحبا لما لا يؤكل، والمقصود بالمصاحبة: ما يكون مقترنا بالصلاة نفسها من حيث هي صلاة. واما المكان والزمان والاشياء الموجودة في المكان فليست مصاحبة للصلاة بما هي صلاة، وانما هو مقارنة للمصلي نفسه صلى أم لم يصلي. فالمكلف لا محالة سوف يكون في زمان ومكان وستكون مع اشياء أو لا تكون، فإن هذه ملابسات لجسم المصلي وليست مصاحبات للصلاة بما هو صلاة. فهي اجنبية عن هذه المصاحبة المستفادة من الموثق، فالمراد بالمصاحبة: مصاحبة خاصة كما لا يخفى.
ويلاحظ عليه:
مضافا لعدم تصورنا ما معنى كون الامور مقارنة للصلاة من حيث هي صلاة، وانما هي مقارنة لها من حيث كونها حركة وفعل من افعال هذا الجسم، وليست مقارنة لها من حيث انها صلاة، فسواء تحرك بحركة الصلاة أم بحركة أخرى فإن هذه الامور مقارنة له، كأن حمل في جيبه ساعة فقام وقعد، وفعل صلاة أو انام، إنه مصاحب له. فلا معنى هي مصاحبة للصلاة من حيث هي صلاة، فإن الصلاة عنوان اعتباري وليس عنوانا خارجيا فإن هذه الحركات ان صدرت بقصد القربة اعتبر صلاة وإلا، وبالتالي: فبما ان عنوان الصلاة اعتباري، ايضا ان نرى شيئا مقارنا للصلاة أو غير مقارن لها من حيث انها صلاة يبتني على الاعتبار لا على الحقيقة والواقع، وإلا فهذه الامور من حيث الحقيقة والواقع ليست مقارنة للصلاة بما هي صلاة.
مضافاً لذلك نقول: ما هو المراد بالمصاحبة؟ إن اريد بها الملاصقة «ملتصقة ببدنه»، «كما اشار إلى ذلك الشيخ آل ياسين في تعليقته على العروة» لم تشمل المحمول فإن المحمول ليس ملاصقا لبدنه، مع أن السيد يريد بالمصاحبة من يشمل المحمول.
وإن اريد بالمصاحبة ما يحتك بجسم المصلي حين الصلاة، فحينئذ يقال: هل المانع ما كان مصاحباً لتمام أجزاء الصلاة بحيث يحتك بجسم المصلي في تمام الاجزاء؟ أو يكفي ان يحتك بجسمه ولو ببعضه؟.
فان كان مراد سيدنا «قده» أن المصاحب ما يحتك بالجسم في تمام الاجزاء لم يشمل الموانع المفارقة الطارئة، كما لو وقع عليه شعر ما لا يؤكل لحمه اثناء الفاتحة مثلا، أو وقع عليه شعر ما لا يؤكل لحمه أثناء السجود فإنه بعد السجود يرفعه عن نفسه فإن هذا طارئ فحينئذ لابد ان نلتزم بعدم مانعيته، والحال بأن السيد كلامه مطلق.
واذا كان المقصود ما صاحب الجسم ولو في بعض الاجزاء شمل السجود ولو على ما لا يؤكل لحمه، فلو سجد على ما لا يؤكل لحمه فهذا مصاحب لجسم ما لا يؤكل لحمه.
فالصحيح: ما ذكره السيد الحيكم ان غاية ما يستفاد من التعبير ب «في» ولو بملاحظة ذكر البول والروث، ان المراد جامع الظرفية الاعم من الحقيقة والمجازية، لا مطلق المصاحبة.
المطلب السادس: هل تشمل المانعية ما لا تتم الصلاة فيه، كالقلنسوة والتكة، «الحزام» أو تختص بما تتم الصلاة فيه؟.
ظاهر الموثق هو الشمول: حيث قال: «ان الصلاة في كل شيء حرام أكله فاسدة» سواء كان مما تتم الصلاة به أم لا تتم فإن الموثق يشمل ذلك.
ولكن قد يدعى الخروج عن عموم الموثق بصحيحة محمد ابن عبد الجبار، «الباب 14، من ابواب لباس المصلي، حديث 4»: قال: «كتبت إلى أبي محمد «العسكري _ع_» اساله هل يصلي في قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه أو تكة حرير أو تكة من وبر الأرانب؟ فكتب _ع_: لا تحل الصلاة في الحرير المحض، وان كان الوبر ذكيا حلت الصلاة فيه».
فيقال: ان ظاهرها: حلية الصلاة في وبر الأرنب إذا كان مذكى وان كان تكة أو قلنسوة، فيخرج بهذا عن عموم ما دل على عدم صحة الصلاة في كل ما لا يؤكل.
بل قد يقال: بأن مقتضى هذه الرواية ليس اختصاص الحلية بما لا تتم الصلاة به، بل حتى لو عرض على ما لا تتم الصلاة فيه بأن كان ساتر العورة عليه شعر مما لا يؤكل لحمه فانه لا فرق بين التكة وبين هذا، إذا كانت تكة ما لا يؤكل لحمه تصح الصلاة فيها فوجود شعر مما لا يؤكل لحمه على ساتر العروة مما لا تصح الصلاة فيه، لا يحتمل الفرق من هذه الجهة.
ولكن اشكل العلمان «سيد المستمسك وسيد التنقيح» على الاستدلال بهذه الرواية: وتقريب كلامهما «قده»:
إن للرواية عدة وجوه:
الوجه الاول: أن المراد بالذكي «إذا كان ذكيا» الطاهر مقابل النجس، واذا كان الوبر ذكيا يعني طاهراً حلّت الصلاة فيه إن شاء الله.
لكن هذه الوجه غير تام؛ لأن الصلاة في النجس إذا كان مما لا تتم الصلاة فيه صحيحة بلا كلام، لو صلى في قلنسوة نجسة أو تكة حرير نجسة أو تكة نجسة فإن صلاته صحيحة ما دام النجس مما لا تتم الصلاة فيه فهذا امر واضح لا موجب إلى التقييد به.
الوجه الثاني: ان المراد بالذكي ما يقابل الميتة، أي ما ذبح على الطريقة الشرعية. كأنه قال: إن كان الوبر من حيوان مذبوح على الطريقة الشرعية فتصح الصلاة فيه، وان كان مما لا يؤكل لحمه، واما إذا لم يذبح على الطريقة الشرعية فهو ميتة فلا تصح الصلاة فيه.
السيد الخوئي يقول: فإذا كان كذلك فمن الواضح جواز الصلاة في أجزاء الميتة إذا كانت لا تحلها الحياة والوبر مما لا تحله الحياة، فالصلاة في وبر الميتة جائزه بلا كلام، وقد وردت فيه نصوص كثيرة كما اشار «قده»: هنا: حيث ورد في مثل هذ الرواية: «صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله : لا بأس بالصلاة فيما كان من صوف الميتة إن الصوف ليس فيه روح». فالصلاة فيما لا تحله الصلاة من الميتة قد وردت فيه نصوص كثيرة. هذا امر واضح لا معنى للتقيد به في هذه الصحيحة.
الوجه الثالث: أن المراد بالذكي ما ذكي بالحديد وكان محلل الأكل. كما في رواية: علي ابن ابي حمزة التي اشار اليه السيد «قده». «قال: سألت أبا عبد الله وأبا الحسن عن لباس الفراء والصلاة فيها، قال: لا تصلي الا ما كان منه ذكيا، قلت: اوليس الذكي ما ذكي بالحديد؟ قال: بلى إذا كان مما يؤكل لحمه». إذا كان مما يؤكل لحمه يقال له «ذكي» فالمراد بالذكي هنا في الرواية ما ذكي بالحديد وكان مما يؤكل لحمه.
السيد الحكيم «قده» قال: بأن لازم هذا الكلام هو تقسيم الارنب على ما يؤكل وإلى ما لا يؤكل. لأن السؤال عن الأرانب. «او تكة من وبر الأرانب» فجاء الجواب: «لا تحل الصلاة وان كان الوبر ذكيا حلت الصلاة فيه»، فاذا كان الذكي ما يحل اكله فلازم تطبيق الجواب على السؤال هو تقسيم الأرنب الى: ما يحل، وما لا يحل. فما يحل منه إذا ذكي بالحديد كان مما تصح الصلاة فيه والحال انه لا فرق في الارنب. الا ان يراد ان الجواب ليس على طبق السؤال: أي ان قوله: «ان كان الوبر ذكيا حلت الصلاة فيه» ليس ناظرا للارنب وانما هو بيان لقاعدة عامة، وهو انه متى ما كان الوبر ذكيا أي ذكي بالحديد وكان مما يحل اكله حلت الصلاة فيه، فيتبين من الجواب: عدم حلية الارنب، وان ذكي بالحديد لأنه مما لا يحل اكله.
لكن السيد الحكيم ذكر: ان هذا خلاف الظاهر، فإن ظاهر السياق النظر لما ورد في السؤال وليس مع غض النظر عنه.
الوجه الرابع: ان يقال: بأن هذه الرواية اخص لأن موثق ابن بكير يقول: «الصلاة في كل شيء مما لا يحل اكه فاسدة»، هذه الرواية تخصصها تقول: «الا إذا كان الوبر ذكيا» فهذه مخصص فلماذا لا تعتبروها مخصصا، وتقولوا «الصلاة فيما لا يحل اكله فاسد إلا إذا كان وبراً ذكياً» فالوبر الذكي خارج بالتخصيص. فالمراد بالذكي المذبوح مقابل الميتة، ولكنه خاص بالوبر، إذا كان الوبر ذكيا حلّت الصلاة فيه فيجمع بينهما بالتخصيص.
إن الموجب لتقديم الخاص على العام هو القرينية وملاك القرينية هي الاظهرية أي ان الخاص اظهر من العام في مورده، فاذا اقترن العام في قرائن تجعله لا يقل عن الخاص في مورده حصل بينهما تعارض، وان كانت النسبة بنيهما عموم وخصوص مطلق، مثلا: إذا ورد العموم في روايات كثيرة، الإمام دائما يكرر هذا العموم، ثم وردت رواية واحدة مخصصة فإن الحمل على التخصيص غير عرفي مع تكرار العموم وتأكيده في عدة روايات.
ومنها: ما لو خصصنا للزم الغاء عنوان في العام. مثلاً موثق ابن بكير: قال: «ان كان فيما نهيت عن اكله فلا تصح الصلاة فيه، وان كان مما لا يحرم اكله حلت الصلاة في إذا كان ذكيا قد ذكاه الذابح».
فجعل التفصيل بين المذكى وغيره في قسم ما يحل، فلو خصصناه بالوبر الذكي لم يبق للتفصيل فيما يحل بين المذكى وغيره وجه، لأنه حتى فيما يحل يأتي هذا التفصيل بين المذكى وغيره، يلزم من التخصيص الاستهجان لأن التفصيل بين المذكى وغيره يبقى بلا موضوعية.
إذاً السيد الخوئي يقول: يستقر التعارض، لكن يقدم الموثق على صحيحة محمد لمخالفته للعامة، حيث ان المذهب المشهور في زمان ابي محمد العسكري هو المذهب الحنبلي والشافعي، وهما مطبقان على صحة الصلاة اجزاء ما لا يؤكل لحمه إذا كان مذكى كما نص عليه في الجواهر.
هل ما نقله صاحب الجواهر عن الحنبلية والشافعية أم لا؟.

BaharSound

www.baharsound.com, www.wikifeqh.ir, lib.eshia.ir

logo