< قائمة الدروس

الأستاذ السيد منير الخباز

بحث الفقه

36/11/10

بسم الله الرحمن الرحیم

الموضوع: الخلل الواقع في الصلاة

ما زال الكلام: في الوجه الاول الذي استدل به على أن الاباحة شرط في ساتر العورة. ومحصّله:
أنّ الحركة من القيام الى الركوع ومن الركوع الى السجود تصرف غصبي في الساتر. ومقتضى ذلك: أن يكون ما هو المبغوض مصداقاً لما هو المأمور به. وهذا غير معقول. فلأجل ذلك: تُفصّي عن هذا الاستدلال بأن الحركة والهوي، من القيام الى الركوع ومن الركوع الى السجود ليس من الصلاة. فما هو المبغوض ليس مصداقاً لما هو المأمور به. وذكرنا أن في المقابل: ذكرت تقريبات لإثبات أن الحركة من الصلاة، اي ان الهوي الى الركوع أو الى السجود مأمور به بالامر الصلاتي، فوصلنا الى:
التقريب الثالث: وهو ما ذكره المحقق الحائري في «صلاته، ص47»: من أن الهوي وإن كان مولداً للهيئة وهي هيئة الركوع والسجود إلا أنّ الأمر الشرعي المتعلق بالركوع لم يتعلق بذات الهيئة وإنما تعلق بتحصيلها وإيجادها، فقول المولى: اركع، راجع الى قوله: اوجد هيئة الركوع أو السجود، وحيث إنّ ايجاد الهيئة بالهوي فالهوي مامور به بالامر الصلاتي، وبما انه مأمور به بالأمر الصلاتي، إذاً: إذا كان تصرفا في الساتر الغصبي جاء الإشكال: بأنّ ما هو المبغوض لا يصلح ان يكون مصداقاً للمقرّب.
والمناقشة في كلام المحقق الحائري «قده» تبتني على عدة مطالب لابّد من شرحها:
المطلب الاول: هل ان المرجع في تحديد متعلقالأمر نظر العقل؟ أم نظر العرف؟. وكلامنا ليس في تحديد المصداق، ولا في تحديد المفهوم الاعتباري، وإنما كلامنا في تحديد الماهية المنتزعة عن دائرة الوجود. بيان ذلك:
تارة: يكون البحث في تحديد المصداق. اي: هل ان الصلاة الصادرة جامعة للشرائط أم لا؟ فهذا بحث في المصداق. ومن الواضح: ان المرجع في تحديد المصداق لنظر العقل والوجدان ولا علاقة له بنظر العرف، فالعقل والوجدان هو المدار في تشخيص ما في الخارج هل ان الصلاة واجدة للطهارة وللاطمئنان ولسائر الشرائط أم لا؟ وتارة: يكون البحث في تحديد المفهوم من حيث حدوده الاعتبارية. فالمشرّع أمر بالصلاة، ولكن هل أمر بالصلاة بشرط الاطمئنان أم لا؟ هل أمر بالصلاة بشرط تكرار التسبيح أم لا؟ فهذا بحث في المتعلق من حيث حدوده الاعتبارية، والمرجع في تحديد ذلك الى كلام الشارع نفسه ولسان الادلة.
وتارة: يكون مصبُّ البحث في الماهيّة المنتزعة من حدود الوجود. مثلاً: أمرَ الشارع بالصلاة. فنحن ندور مدار عنوان الصلاة، فهل العمل المشتمل على رقص وقفز صلاة أم ليس بصلاة. فلو فرضنا أنّ المكلف شرع في العلم بقصد امتثالالأمر لكنه في ضمنه كان يصفق أو يقفز، فهل ما صدر منه يسمى صلاة بنظر المرتكز العرفي أم لا؟
فهنا: ليس المرجع هو نظر العقل وليس المرجع هو كلام الشارع، لأننا لا نبحث عن تشخيص المصداق الخارج ولا نبحث عن حدوده الاعتبارية، وإنّما نبحث عن الماهية، هل أن ماهية الصلاة المنتزعة من الوجود، هل أنّ هذا الماهية متحقق بهذا الوجود أم لا؟. فهنا المرجع: النظر العرفي لا محالة. فالعرف هو الذي يحدد ان هذه صلاة أم أن هذه ليست بصلاة، ولذلك ذكر أن العلم الماحي لصورة الصورة مبطل، والمرجع في تحديد الماحي وغيره هو نظر العرف.
ومن هذا القبيل - النوع الثالث -: هو البحث: أن الركوع المأمور به شرعا هل هو متحقق بالهوي أم ليس متحققا به؟ فهذا مما لا يرجع فيه الى نظر العقل، ولا مما يرجع فيه الى لسان الشارع، فإن المشرع فرغ عما أمر به، حيث أمر بالركوع، الا ان هذه الماهية - وهي ماهية الركوع - كسائر الماهيات تنزع من دائرة الوجود. فالوجود المحقق لهذه الماهية خصوص الهيئة؟ أم الهيئة المتقومة بالهوي؟. فهذه النقطة مما يرجع فيه الى نظر العرف. لذلك: لابد من البحث في المقام: ان النظر العرفي عندما يتلقى عنوان الركوع في قوله المشرع: اركع، اسجد. هل يفهم النظر العرفي من هذا العنوان المأمور به انه لا يتحقق إلا بالهوي. بحيث يكون الهوي جزءاً من قوامه.
المطلب الثاني: بعد المفروغية عن ان المرجع في تحديد المتعلق من حيث حدوده الوجودية بنظر العرف، هل أن العرف يرى أن الركوع هو عبارة عن الهيئة يعني ما هو من مقولة الوضع، واما الهوي الذي هو من مقولة الفعل فليس دخيلا في حقيقته. بل الهيئات الحاصلة في الهوي حيث ان الهوي في كل آن هئية من الهيئات داخل في حقيقة الركوع أم ليس داخلاً؟.
فالصحيح هنا: ما أفاده سيدنا «قده» وكذلك سيد المستمسك «قده»: من أن المنفهم والمنصرف من عنوان الركوع هو خصوص الهيئة الخاصة، وما الهوي بتمام مراتبه وتمام هيئاته الا مقدمة توليدية للركوع وليس جزءا دخيلا في قوامه. فبناءً على ذلك: فالامر بالركوع هو أمر بايجاده إلا أنّ ايجاده ليس الا حدوث هذه الهيئة بعد عدمها. والهوي مجرد مقدمة وجودية كسائر المقدمات الوجودية لجميع موارد المأمور به.
المطلب الثالث: إنّ المناط في صحة التكليف بأيّ ماهية، كونها مقدورة ولو بالقدرة على مقدماتها واسبابها، فلا يعتبر في التكليف بماهية ان تكون مقدورة ذاتها بل يكفي في صحة التكليف فيها ان تكون مقدورة ولو بالواسطة، والمفروض ان الركوع والسجود الذين هم قبيل الهيئات والنتائج - بحسب تعبير المحقق الحائري - عناوين مقدورة بالقدرة على مقدماتها واسبابها التوليدية. فما دامت النتائج مقدورة فالامر بها لا بمقدماتها. ونتيجة ذلك: أن ما هو المبغوض وهو الهوي لانه تصرف في الساتر الغصبي، غير ما هو المأمور به وهو ذات الهيئة.
المطلب الرابع: ليس البحث مبتنيا على الامتناع أو الجواز في بحث اجتماعالأمر والنهي. إذ ربما يقال: بأن المصير الى الفساد أو الصحة في محل كلامنا مبني على ما ذكر في بحث اجتماعالأمر والنهي من الجواز أو الامتناع. وبيان ذلك:
انه بناءً على أن الهوي جزء من الصلاة، فهو مأمور به ومنهي عنه. فهو مامور به لانه جزء صلاتي مقوم للركوع. وهو منهي عنه: لكونه تصرفاً في الساتر الغصبي. وحينئذٍ: إن قلنا بالامتناع كما يقول به المحقق النائيني وسيدنا الخوئي «قدس سرهما»: ببيان: انه متى ما كان مجمعالأمر والنهي واحداً خارجاً - أي وجود واحد في الخارج - فلا يعقل ان يكون مأمور به بالفعل ومنهيا عنه بالفعل، لان لازمه اجتماع الضدين، إما من حيث المبدأ وهو اجتماع المبحبوبية والمبغوضية في محل واحد، أو من حيث المنتهى بمعنى الامتثال والانزجار. فمتى ما كان المجمع وجودا واحدا خارجا وهو ما يعبر عنه في كلمات المحقق النائيني بالتركيب الاتحادي، فلا يعقل حينئذ اجتماعالأمر والنهي وإذا لم يعقل اجتماعهما فلا محالة يقع التعارض بين اطلاقالأمر وإطلاق النهي. فإنهما يتعارضان - اطلاق الأمر واطلاق النهي - من حيث الشمول لهذه الحصة. ونتيجة التعارض: عدم احراز أنّ هذه الحصة مصداقٌ لما هو المأمور به.
ولكن على مبنى الجواز: كما هو المختار عندنا وفاقا الى السيد الاستاذ «دام ظله»: أنّه متى ما كان بين العنوانين عموم من وجه كالامر بالصلاة والنهي عن الغصب، حيث انالأمر بالصلاة يشمل الصلاة في المغصوب وغيرها، والنهي عن الغصب يشمل الصلاة وغيرها، فحتى لو كان المجمع واحداً وجوداً فإنه ما دام مصداقاً لماهيتين بينهما عموم من وجه كماهية الصلاة والغصب فهذا كاف في جواز اجتماعالأمر والنهي. فهذا المجمع من حيث كونه صلاة مأموراً به وواجداً للمحبوبية، وهو من حيث كونه غصباً منهياً عنه وواجداً للمبغوضية، غاية ما فيالأمر يحصل التزاحم بينهما لا التعارض.
فربما يقال: انه بناء على القول بالامتناع يكون المصير هو فساد الصلاة. وبناء على القول بالجواز: يكون المصير هو صحة الصلاة.
ولكن نقول لا، ليست المسألة من حيث الصحة والفساد مبنية على ما هي النتيجة في بحث اجتماعالأمر والنهي، اي: حتى لو كان المجمع واحداً خارجاً وقلنا بالجواز في بحث اجتماعالأمر والنهي مع ذلك نقول: بفساد الصلاة. وذلك لوجهين:
الوجه الاول: هو إباء المرتكز العقلائي ان يكون ما هو المبغوض خارجا لما هو المقرب. فهناك فرق بين إشكالين:
تارة: نتحدث عن الاشكال العقلي وهو: هل يجتمع الضدان أم لا؟. هذا الذي يبحث في بحث اجتماعالأمر والنهي. هل أنه إذا كان الوجود واحدا لما هو المنهي عنه يؤدي الى محذور اجتماع الضدين أم لا يؤدي؟ هذا اشكال عقلي بحث في اجتماعالأمر والنهي.
فمن يقول بالجواز: يقول: يكفي في دفع محذور اجتماع الضدين تعدد العنوان وان هذا الوجود الواحد ليس بعنوان واحد مأموراً به ومنهيا عنه بل هو مامور به وهو بلحاظ منهي عنه فلم يجتمع الضدان. فما ذكر في بحث اجتماعالأمر والنهي انما هو علاج للإشكال العقلي، وهو اشكال اجتماع الضدين وعدمه. لكن يبقى إشكال آخر وهو إشكال عقلائي. لأنّ صلاحية العمل للمقربية وعدم صلاحيته منوط بالمرتكز العقلائي، ولذلك: ذكر الاعلام: ومنهم سيدنا «قده»: أنّ من نسر الغصبية نسي ان الماء مغصوب وتوضأ به، فإن كان هو الغاصب وضوءه فاسد، ولا يجدي أنه غير مكلف، بل ربما يقول القائل بأن الناسي غير مكلف، ما دام ناسيا للغصبية فهو غير مخاطب بحرمة التصرف، فيجيب سيدنا «قده»:
صحيح انه غير مخاطب بحرمة التصرف، لكن بما ان العمل الصادر من الغاصب مبغوض بنظر المرتكز العقلائي فهو غير صالح للمقربية. ففي محل الكلام وإن كان الوجود الواحد مما يجوز فيه اجتماعالأمر والنهي ولا يؤدي ذلك لمحذور اجتماع الضدين، الا ان المرتكز العقلائي يقول: ما دام هذا الوجود مبغوضا ولو بعنوان فهو لا يصلح للمقربية الى المولى.
الوجه الثاني: وهو انه: بناء على صحة هذه الرواية: «لا يطاع الله من حيث يعصى» فإن المرجع في تحديد الحيث الى النظر العرف. فهل ان النظر يرى ان هذا الوجود حيثان أو حيث واحد؟ فمن هوى الى الركوع وكان هويه صلاة من جهة وغصبا من جهة أخرى، فهل النظر العرفي يقول: اطاع الله من حيث عصى، لان الحيث واحد أو النظر يقول: لا، اطاع الله من حيث وعصى الله من حيث؟!.
فبما أنّ المناط هنا: في تحديد الحيث هو النظر العرف يقول هذا حيث واحد وإن تعددت عناوينه ومصاديقه فهو مصداق ل «لا يطاع الله من حيث يعصى». والنتيجة: أننا ندّعي ان الهوي ليس من الصلاة فلم يتحد ما هو المبغوض مع ما هو المأمور به. ولكن، على فرض انه من الصلاة وعلى فرض اننا قلنا في بحث اجتماعالأمر والنهي بالجواز وعدم كون المورد من موارد اجتماع الضدين مع ذلك لا نقول بالصحة في المقام بناء على ذلك.
هذا تمام الكلام في مناقشة ما افاده المحقق العراقي «قده».
التقريب الرابع: لاثبات ان الهوي ولو ببعض مرابته من الصلاة: ما أصر عليه الشيخ الحلي في «اصول الفقه، ص106»: قال: نعم ان هناك شيئا آخر وهو: ان آخر حركة - اخر درجة من درجات الهوي - يتعقبها الواجب الاصلي الذي هو الركوع - الهيئة - تكون نسبتها الى ذلك الواجب نسبة العنوان الاولي الى العنوان الثانوي، كنسبة الرمي بالرصاص للقتل. لأن تلك الحركة - آخر جزء من الهوي - لا يبقى لها اختيار للمكلف، - فبآخر جزء من الهوي يتحقق الركوع حتما -، بالنسبة الى ذلك الواجب. وتكون هي محققة لذلك الواجب.
إذاً فآخر حركة من الهوي، مع آخر هيئة الركوع وجود واحد متعنون بعنوانين: عنوان اولي وهو الهوي، وعنوان ثانوي: وهو الركوع. وبما أنه وجود واحد فالأمر بالركوع أمر بهذه الحركة، فتكون هذه الحركة من جهة مأمور بها ومن جهة منهي عنها. لانها اصل.
ثم قال: ولعل ذلك - الذي قلناه -: هو المراد المرحوم الحاج آغا رضا الهمداني في «كتاب الصلاة، ج10، ص356»: عند تعرضه للإشكال المزبور - ان الهوي غير الركوع -، اجاب: قال الهمداني: والمناقشة في تسمية الحركة ركوعا أو سجودا حيث ان هذه الافعال - الركوع والسجود - أسام بحسب الظاهر للكون - للهيئة - الحاصل عقيب تلك الحركات. يقول: هذه المناقشة غير مجدية. - الشيخ الحلي يفسّر كلامه -: لان آخر حركة من الهوي متحدة وجوداً مع هيئة الركوع والسجود. فليس البحث في التسمية، بأن يقال: بأن الحركة هوي والهيئة ركوع، وهذا اسم وهذا اسم. يقول الهمداني: ليس البحث في التسمية بل البحث في الواقع. هل هما وجدان أم وجود واحد.؟.
فالصحيح: أن هناك وجودا واحداً، فإذا كان هذا الوجود الواحد مأمواً به بعنوان انه ركوع، لا محالة تكون آخر حركة من الركوع مأموراً بها، فيعود الإشكال مرة أخرى.
ولكن كلامه «قده» محل تأمل. والوجه في ذلك:
إن عدم تخلل الاختيار بين آخر حركة وبين الهيئة لا يجعل الوجود واحد، فمجرد انه إن فرغ من آخر حركة كان مضطرا للركوع من دون اختيار منه هذا لا يعني وجودا واحدا. بحيث يكون نسبة الهوي للركوع نسبة العنوان الأولي للعنوان الثانوي كما سبق الشرح منه. ولأجل ذلك هما وجدان، غاية ما فيالأمر ان احدهما علة والآخر معلول. كسائر المقدمات التوليدية. وبالتالي فالامر بالركوع اي الهيئة لا يسري الى آخر جزء من الحركة. وإلا فما الفرق بين أول جزء من الحركة وآخر جزء من الحركة؟. فإن الحركة وهي الهوي من السجود الى الركوع وجود واحد. فما الفرق بين أول جزء منه وآخر جزء منه حتى يقال بأن آخر جزء منه متحد مع الركوع دون أول جزء منه.
ويكفي في اختيارية الركوع: انه اختاري باختيارية سببيه وهذا كاف في تعلقالأمر بذات الركوع دون غيره، فهذا نظير سائر موارد العلة والمعلول، فماذا يقول الشيخ الحلي في سائر موارد العلة والمعلوم؟ فإنه بعد تحقق موارد العلة التامة يتحقق المعلوم حتما. فهل يكونالأمر بالمعلوم أمراً بالعلة.
إذاً بالنتيجة: اتضح لنا أنّ سائر الوجوه والتقريبات التي استدل به على أن الهوي جزءاً من الركوع والسجود غير تامة. فالاستدلال المذكور: بأن ما هو المبغوض لا يصلح أن يكون مصداقاً لما هو المأمور به. غير تام. يأتي الكلام في مناقشة المستمسك غداً.

BaharSound

www.baharsound.com, www.wikifeqh.ir, lib.eshia.ir

logo