< قائمة الدروس

درس الاصول الاستاذ حسن الجواهري

جلسه 17

بسم الله الرحمن الرحیم

الموضع: مسألة الضد

كان الكلام في مسالة الضد، وقلنا ان الأمر بالشيئ لا يقتضي النهي عن ضده العام، فان الأمر بشيئ لوجود مصلحة فيه، أما الضد العام وهو الترك فليس فيه مفسدة بما أنه ترك، وان كان هناك نهي عن الترك عقلي فلا حاجة الى النهي الشرعي المولوي، هذا قد انتهينا منه

الضد الخاص

والآن نأتي الى ان الأمر بالشيئ هل يقتضي النهي عن ضده الخاص وهو الاكل الذي يكون ضداً خاصاً للصلاة أو لعب الكرة فهو ضد خاص للصلاة، فهل الأمر بالشيئ يقتضي النهي عن ضده الخاص ام لا.

ذهب جماعة الى ان الأمر بالشيئ يقتضي النهي عن ضده الخاص وهو الاكل او اللعب او التجارة في الاسواق وقت الصلاة، فالامر بالصلاة يقتضي النهي عن ضده الخاص، وهو ما اذا توقف ترك الصلاة عليه فالتجارة في الاسواق في كل الوقت يتوقف عليه مثلاً ترك الصلاة.

ذهبوا الى حرمة الضد الخاص، ولكن أدلتهم على هذا الشيئ متوقفة أو متفرعه على ان الأمر بالشيئ يقتضي النهي عن ضده العام، وسوف نذكر الأدلة على حرمة الضد الخاص والنهي عنه، ومن جملة الأدلة النهي عن الضد العام، ومن الآن نعرف ان النهي عن الضد العام باطل، اذاً الأدلة التي ساقوها هنا على أن الأمر بالشيئ يقتضي النهي عن ضده الخاص أيضاً باطلة، لأن هذه الأدلة متفرعة على ان الأمر بالشيئ يقتضي النهي عن ضده العام، وقد مضى منّا مناقشة هذا الرأي وبطلانه ولكن مع هذا نذكر الأدلة ونبين كيف أنها متفرعة على ذلك الأمر الذي هو باطل.

عندهم في ذلك مسلكان:

المسلك الأول: مسلك التلازم، وفيه ثلاثة مقدمات:

الاولى: ان كل ضد ملازم مع عدم ضده الآخر أي الصلاة والأكل متضادان، ففي آخر الوقت اذا صلى اذاً ترك الاكل واذا أكل فأنه ترك الصلاة، فالاكل والصلاة متضادّان، اذاً ضد كل ضد ملازم مع عدم ضده فاذا صلى يعني انه لم ياكل واذا أكل فيعني انه لم يصل، فيكون كل ضد ملازم مع عدم ضده الآخر، فالأكل ملازم لترك الصلاة لأن الأكل والصلاة متضادان فأحدهما يلازم عدم الآخر، فحينئذ الأكل ملازم لترك الصلاة

الثانية: ان المتلازمين حكمهما واحد فحرمة أحد المتلازمين تستدعي وتستلزم حرمة ملازمه الآخر، فالمتلازمان حكمهما واحد، فاذا كان احدهما محرم فالآخر يكون محرم أيضاً، وقالوا ان ترك الصلاة هنا محرم فيكون الأكل أيضاً حرام لأن الأكل يلازم ترك الصلاة، فان حرمة أحد المتلازمين تستدعي حرمة ملازمه الآخر فالأكل الذي هو ضد خاص للصلاة يكون فعله ملازماً لترك الصلاة

الثالثة: ان ترك الصلاة ضد عام للصلاة فهو محرم فيلزم ان يحرم الاكل، فاصبح الضد الخاص محرم، فالضدالخاص للصلاة وهو الأكل أصبح محرماً، أي منهي عنه.

وهذا مسلك التلازم، المكوّن من ثلاثة مقدمات.

الجواب عن هذه المقدمات:

اما الدعوى الاولى: فقد ذكر السيد الشهيد الصدر (قده) أنها بديهية بحسب فرض التضاد، فان الاكل والصلاة متضادان وكل واحد من المتضادين ملازم مع ترك الآخر، لأن الضدان لايجتمعان، فكل ضد ملازم مع عدم ضده، حتى اذا كان هناك ضد ثالث، هذا ماقاله السيد الشهيد.

نقول هذا الكلام صحيح ولكن في غير المثال فهو صحيح في الضدين الوجودين وصحيح في شيئ وملازمه وجود، فان الصلاة صحيح انها ضد الأكل ولهما شيئ ثالث وهو لا صلاة ولا أكل بل يلعب أو يتاجر فهذا ضد ثالث، لكن عندما تقول كل ضد ملازم مع عدم ضده الآخر فالصلاة مع الأكل ضدان وهما شيئآن وجوديان ولكن تريد الانتقال من الضدان الذي يمتنع اجتماعهما الى كل ضد ملازم مع عدم ضده الاخر، فنقول هل العدم شيئ وجودي كعدم الصلاة فهل عدم الصلاة شيئ؟، نقول ان العدم ليس بشيئ حتى يكون ملازماً، فأن الملازمة تتصور بين الأمرين الوجوديين، اذاً العدم ليس وجود، ولكنكم تقولون ان كل ضد يلازم مع عدم ضده الآخر فالاكل ملازم مع عدم الصلاة وعدم الصلاة يعني لا شيئ ولا وجود، فكيف شيئ يلازم عدما بل الضدان يتصوران في الامرين الوحودين، فهذا التلازم غير مقبول فان التلازم يكون بين الامرين الوجوديين كالصلاة والاكل اما بين الاكل وعدم الصلاة فان عدم الصلاة ليس بشيئ فكيف يكون تلازم

اما الدعوى الثانية: فهل التلازم في الحكم ثابت ومسلّم، نقول هذه الدعوى لا دليل عليها وغير ثابتة، لانه لا يجب اتفاق المتلازمين في الحكم فاذا كان احدهما واجب فلا يلزم ان يكون الثاني حرام لان سبب الوجوب قد لا يكون موجودا في المتلازم الآخر، نعم القدر المسلو في المتلازمين ان لايختلفا في الوجوب والحرمة، اي اختلافهما في الحكم غير ممكن واما أتحادهما فيه فغير ثابت، لأنهما اذا اختلفا في الحكم فيستحيل الأمتثال من المكلف

واما الدعوى الثالثة: الذي ذهب الى ان ترك الصلاة ضد عام للصلاة فهو حرام، وهذا مبني على القاعدة الاولى من ان الامر بالصلاة يوجب النهي عن الضد العام، وقد قلنا انه باطل

فهذه المقدمات الثلاثة لمسلك التلازم كلها باطلة، وفي نظر السيد الشهيد الثانية والثالثة باطلة وأما الاولى فأعتبرها بديهية.

فظهر ان المسلك الأول على حرمة الضد الخاص هو مسلك باطل.

المسلك الثاني: مسلك المقدميّة:

اولاً: في المثال المتقدم يكون ترك الأكل مقدمة لفعل الصلاة، لأن الأكل والصلاة متضادان فترك الاكل مقدمة لفعل الصلاة.

ثانياً: مقدمة الواجب واجبة، فترك الأكل يجب لأنه مقدمة للصلاة، والمقدمة واجبة فترك الأكل واجب، واذا وجب ترك الأكل فمعناه حرمة ترك ترك الأكل لأن ترك الأكل واجب، وهذا الترك عام لان الأمر بالشيئ يقتضي النهي عن ضده العام، فصار الاكل منهي عنه لانه ضد عام، لأن ترك الاكل واجب فترك ترك الأكل حرام، وهو معنى حرمة الضدالخاص فأن الأكل ضد خاص للصلاة، وهذا الأستدلال أيضاً متوقف على دعاوى ثلاثة:

الاولى: مقدمية ترك الضد الخاص لفعل ضده، أي مقدمية ترك الاكل لفعل الصلاة.

الثانية: اثبات وجوب المقدمة، حتى يثبت وجوب ترك الاكل.

الثالثة: اقتضاء الأمر بالشيئ النهي عن ضده العام وهو النقيض الذي تقدم.

ويرد على هذه الدعاوى الثلاث:

اولاً: هنا لاتوجد مقدمية بين ترك الاكل والصلاة فعندنا تمانع وتضاد بين الأكل والصلاة وهذا التمانع بين الاكل والصلاة لايقتضي تقدم عدم احدهما، بل مقتضى التمانع بين الاكل والصلاة هو عدم اجتماعهما في الوجود فقط، وهذا تمانع بين الضدين ومقتضى التمانع بين الضدين هو عدم اجتماعهما في الوجود فقط، نعم هناك مانع يتوقف وجود الشيئ على عدم عدمه وهو ما ينافي المقتضي في التأثير، اي نريد ان نحرق الخشبة ويوجد مقتضي وهو النار والشرط وجود النار جنب الخشبة و لابد من عدم المانع وهو عدم رطوبة الخشبة، فهذا عدم المانع في التاثير هو جزء العلة وهو متقدم رتبتاً. وعدم المانع هذا يفترق عن التمانع ومانحن فيه التمانع في الوجود لافي التأثير، فالدعوى الاولى بطلت.

على ان المقدمية باطلة لان ترك الاكل عدم والعدم ليس بشيئ فلا يمكن ان يكون دخيلا في تحقق الصلاة، فالصلاة لاتكون متوقفة على عدم الاكل

ثانياً: وجوب المقدمة ليس بواجب شرعاً بل واجب عقلاً، فتكون المقدمة الثانية باطلة أيضاً.

ثالثاً: الأمر بالشيئ يقتضي النهي عن ضده العام، أيضاً قلنا انه باطل.

فبطل أيضاً مسلك المقدمية

وقد صور بعض الاصوليين هذا المسلك الباطل بتصوير آخر، فلو أخذنا مثال ازالة النجاسة عن المسجد والصلاة في المسجد، فأتيان الصلاة هي ضد ازالة النجاسة عن المسجد، فيقول هذه الصلاة هي مقدمة لترك الضد الآخر وهو الازالة، ففعل الصلاة مع وجود النجاسة في المسجد فهذه الصلاة مقدمة لترك الازالة الواجبة، فاذا كانت ازالة النجاسة واجبة فوراً والامر بالازالة يقتضي النهي عن ضده العام وهو ترك الازالة فحينئذ يكون ترك الازالة حرام، واذا حرم ترك الازالة فمقدمتها وهي الصلاة تكون حراما لأن مقدمة الحرام حرام

وهنا ثلاث دعاوى:

الاولى: مقدمية فعل أحد الضدين (لا تركه) وهو الصلاة لترك الضد الآخر وهو الازالة.

الثانية: اقتضاء الأمر بالازالة النهي عن الضده العام وهو تركها فصار ترك الازالة حراما.

الثالثة: ان فعل الصلاة مقدمة لترك الازالة ومقدمة الحرام حراما، فيكون فعل الصلاة حراما.

ويرد عليه:

اولاً: عدم تمامية مقدمية الصلاة لترك الازالة، لأن التضاد بين الصلاة والازالة معناه استحالة اجتماعهما في الوجود، ولا يعني استحالة الأجتماع في الوجود تقدم وجود أحدهما على ترك الآخر، فلا يكون فعل أحدهما مقدمة للآخر، فبطلت المقدمة الاولى.

ثانياً: الازالة واجبة فتركها حرام لأن الترك نقيض للازالة وهو حرام وهذا باطل، لأن الأمر بالشيئ لايقتضي النهي عن ضده العام.

ثالثاً: ان مقدمة الحرام حرام، وهذه قاعدة باطلة وغير تامة، الاّ في الأرادة الأخيرة للحرام، فقط الارادة التي هي آخر اجزاء مقدمة الحرام في الاسباب غير التوليدية وهي الأرادة، فالمقدمة الثالثة أيضاً باطلة.

BaharSound

www.baharsound.com, www.wikifeqh.ir, lib.eshia.ir

logo