< قائمة الدروس

آیةالله الشيخ محمداسحاق الفیاض

بحث الأصول

38/01/23

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: أدلة حجية خبر الواحد- السيرة العقلائية

إلى هنا قد تبين أن الصنف الأول من الآيات الناهية مختص بالمسائل العقائدية بقرينتين مذكورتين فيها، والصنف الثاني لا يدل على الردع فإنه يدل على ان المكلف إذا كان مأذونا يجوز له الاتيان بالعمل ولا يكون فيه افتراء على الله تعالى وإن لم يكن مأذونا فهو افتراء على الله تعالى فهذه الآية لا تدل على الردع عن العمل بالسيرة فإن السيرة إذا قامت على حجية اخبار الثقة فيكون العمل بأخبار الثقة مأذونا من قبل الله تعالى فلا يكون فيه افتراء. واما إذا لم تقم السيرة على العمل بأخبار الثقة فلا يكون العمل بها مأذونا فهو افتراء على الله.

وعلى كلا التقديرين فالآية الكريمة لا تكون ناظرة إلى ان السيرة تدل على حجية أخبار الثقة أو لا تدل على ذلك، فالآية إنما هي ناظرة إلى أن كلما ما كان مأذونا من قبل الله تعالى فلا افتراء فيه وما لم يكن مأذونا فهو افتراء ومحرم واما أي شيء مأذون وأي شيء لا يكون مأذونا في الخارج فالآية غير ناظرة إليه أي الآية تدل على الكبرى ولا تنظر إلى تحقق الصغرى هل انها محققة أو ليس محققة؟

وأما الصنف الثالث من الآيات الناهية فهو قوله تعالى: [وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا][1] فإن هذه الآية المباركة تدل على أنه لا يجوز الاعتماد على كل ما ليس بعلم والاستناد إليه في مقام العمل وما كان علما فيجوز الاعتماد والاستناد إليه.

وعلى هذا فمفاد الآية المباركة هل هو إرشاد إلى عدم حجية ما ليس بعلم وجداني أو أنه إرشاد إلى حكم العقل بتحصيل المؤمن في مرحلة الامتثال والإطاعة؟

والظاهر هو الأول وأن مفاد الآية إرشاد إلى عدم حجية ما ليس بعلم وجداني؛ فإن مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية تقتضي الأول لأن الآيات الكريمة والروايات الصادرة من المولى ظاهرة في المولوية، وحملها على الإرشاد والإخبار عن حكم العقل بحاجة إلى قرينة وطالما لم تكن في البين قرينة فلا يمكن حمل الآية على الإرشاد لأن ظاهر الآية هو بيان الحكم المولوي والحكم الشرعي ولأجل ذلك تكون الآية ظاهرة في الإرشاد إلى عدم الحجية باعتبار أن عدم الحجية حكم مولوي لا بد من صدوره من قبل المولى، فحمل الآية على هذا أنسب من حملها على الثاني فإن الثاني ليست فيه شائبة المولوية بل هو في الحقيقة إخبار عن حكم العقل بوجوب تحصيل المؤمن في مقام الامتثال والطاعة ولهذا لو لم تكن الآية المباركة فالعقل مستقل بذلك، فمن أجل ذلك لا يمكن حمل الآية على المولوية كالآيات التي تدل على الإطاعة والروايات التي تدل على وجوب الامتثال فإن هذه الآيات لا يمكن أن يكون مفادها حكما مولويا بل هو إرشاد إلى ما استقل بهه العقل وهو وجوب طاعة المولى وتحصيل المؤمن من الإدانة والعقوبة من قبل المولى في مرحلة الامتثال ومرحلة الطاعة.

هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى الظاهر أن المراد من العلم في الآية المباركة هو مطلق الحجة وليس المراد منه العلم الوجداني وذلك بقرينة ذيل الآية وهو قوله تعالى: [إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا] فإن هذه الذيل يدل على أن المناط في المسؤولية هو متابعة مطلق الحجة ولا شبهة في أن خبر الثقة إذا كان حجة فهو رافع للمسؤولية، ورفع المسؤولية لا يتوقف على العلم الوجداني فيكفي في رفع المسؤولية الحجة الشرعية وإن لم يعلم أنها مطابقة للواقع أو لم تكن مطابقة للواقع فإذا كان خبر الثقة حجة فهو رافع للمسؤولية عن العبد فإذا عمل به فلا مسؤولية عليه عند المولى ولا إدانة ولا عقوبة عليه سواء كان الخبر مطابقا للواقع أم لم يكن مطابقا للواقع فالمناط إنما هو بالمسؤولية وعدم المسؤولية، فهذه الآية قرينة على ان المراد من العلم مطلق الحجة فإن المسؤولية وعدم المسؤولية يدوران مدار حجية شيء وعدم حجيته فإذا عمل بخبر الثقة ولم يكن حجة فهو مسؤول أمام الله وإن كان الخبر مطابقا للواقع وأما إذا كان الخبر حجة وعمل به فهو ليس بمسؤول ومأمونا من العقوبة والإدانة وإن كان الخبر مخالفا للواقع.

فهذه الآية قرينة على أن المراد من العلم ليس هو العلم الوجداني بل المراد منه مطلق الحجة.

وعلى هذا فالآية الكريمة مفادها قضية حقيقية وتدل على أن العمل بكل ما هو حجة شرعا رافع للمسؤولية وللإدانة والعقوبة سواء كان موافقا للواقع أم لم يكن موافقا للواقع. وكل ما ليس بحجة إذا عمل به يكون مسؤولا ومدانا من قبل الله تعالى وإن كان مطابقا للواقع. فالآية تدل بنحو القضية الحقيقية على هذه الكبرى الكلية.

ولكن لا تدل على تحديد الصغرى فأي شيء في الخارج حجة وأي شيء آخر في الخارج ليس بحجة لا تدل على ذلك. وإنما تدل على أنه على تقدير كونه حجة فالعمل به يوجب الأمن من العقوبة ويرفع المسؤولية عن العبد والعقوبة عنه وإن كان مخالفا للواقع، وأما أن هذا التقدير ثابت في الواقع أولا فهي غير ناظرة الى ذلك كما هو الحال في جميع القضايا الحقيقية، حيث أنها تدل على ثبوت الحكم للموضوع المفروض والمقدر الوجود في الخارج وأما انه موجود فيه او لا فالقضية الحقيقية لا تدل على ذلك.

إلى هنا قد تبين أن هذا الصنف من الآيات الناهية أيضا لا يصلح ان يكون رادعا عن السيرة ومانعا عن العمل بها وأنه يدل على أن العمل بكل ما هو حجة فلا يكون المكلف عنه مسؤولا ويكون مأمونا من العقوبة وإن كان مخالفا للواقع. والعمل بكل ما ليس بحجة فهو ليس بمأمون من العقوبة فهو مسؤول وأن كان العمل مطابقا للواقع.

فإذن هذا الصنف من الآيات لا يدل على أن سيرة العقلاء الجارية على العمل بأخبار الثقة حجة أو ليست بحجة فهي غير ناظرة إلى المانع والرادع عن حجيتها.

نعم لو كان المراد من العلم في هذه الآية المباركة العلم الوجداني فعندئذ تكون الآية المباركة مانعة عن حجية ما ليس بعلم وجداني والمفروض أن خبر الثقة ليس بعلم وجداني فعندئذ تدل هذه الآية على عدم حجية خبر الثقة.

ولكنه على هذا أيضا يمكن الأمر بالعكس فإذا قامت السيرة على العمل بأخبار الثقة وكانت هذه السيرة ممضاة من قبل الشرع فتكون أخبار الثقة حجة وحينئذ فهو مخصص لعموم هذه الآية المباركة، فتكون السيرة مقدمة على هذا الصنف من الآيات المباركة في التخصيص لأن النسبة بين عموم هذه الآية والسيرة عموم مطلقا أي نسبة العام والخاص فلا بد من تخصيص عموم هذا الصنف من الآيات الكريمة بالسيرة.

فالنتيجة أن هذه الأصناف من الآيات منها ما هو أجنبي عن المقام وهو الصنف الأول ومختص بالمسائل الاعتقادية، ومنها لا يصلح أن يكون رادعا عن السيرة وهو الصنف الثاني، ومنها ما يصلح للرادعية فيما إذا كان المراد من العلم هو العلم الوجداني ومع ذلك لا بد من تقديم السيرة عليه من باب تقديم الخاص على العام لأن النسبة بينهما العموم والخصوص المطلق.

هذا كله في الآيات الكريمة.

الوجه الرابع: ما ذكره المحقق الأصفهاني(قده)[2] وحاصله انه لا دليل على حجية ظواهر هذه الآيات الناهية حتى تصلح أن تكون رادعة عن السيرة لأن السيرة العملية قد جرت على العمل بأخبار الثقة وتدل على حجية اخبار الثقة بعد إمضائها شرعا ومن الواضح انه لا يمكن قيام هذه السيرة على حجية ظواهر هذه الآيات أيضا وإلا لزم التناقض والتهافت بين السيرتين: السيرة الجارية على العمل بأخبار الثقة ومفادها حجية أخبار الثقة ومعنى حجية أخبار الثقة أن هذه الآيات لا تصلح أن تكون رادعة ومعنى قيام السيرة على حجية ظواهر هذه الآيات الناهية انها رادعة عن السيرة فيلزم التناقض والتهافت بينهما، فمن أجل ذلك لا يمكن القول بان ظواهر هذه الآيات حجة.

والجواب عن ذلك واضح؛ فهذا الإشكال غريب من مثله(قده) فإن السيرة لم تقم على حجية ظواهر الآيات الناهية فقط بل السيرة إنما قامت على حجية ظواهر الالفاظ مطلقا ومنها ظواهر هذه الآيات وإلا فالسيرة ليست قائمة على حجية ظواهر هذه الآيات فقط حتى يلزم التهافت والتناقض بل السيرة جارية على حجية ظواهر الالفاظ مطلقا من الكتاب والسنة ولا تنافي بين هذه السيرة والسيرة القائمة على حجية أخبار الثقة إلا بالإطلاق والتقييد أو بالعموم والخصوص ولا مانع من ان يشمل دليل الحجية العام والخاص معا لعدم التنافي بينهما لإمكان الجمع الدلالي العرفي بينهما.

وفي المقام كذلك لا مانع من قيام السيرة على حجية ظواهر الالفاظ من الكتاب والسنة وقيام السيرة على حجية أخبار الثقة ولا تنافي بينهما إلا بالإطلاق والتقييد او العموم والخصوص ومن الواضح إمكانية الجمع الدلالي العرفي بينهما وحينئذ لا مانع من شمول دليل الاعتبار لكليهما معا بدون أي تنافي بينهما.

خبار الثقة فلا يكون العمل بها مأذونا فهو افتراء على اللهال


BaharSound

www.baharsound.com, www.wikifeqh.ir, lib.eshia.ir

logo